الفصل الحادي والثلاثون

الفصل الحادي والثلاثون — وفاة فاطمة أم سعيد

الأم الثانية التي كانت تمر في البيت كما يمر النور في الماء

الباب الأول: السند الذي لا يراه الغرباء

ليست كل الأركان في البيوت الكبيرة أعمدةً ظاهرة.

بعضها لا يلفت النظر لأول وهلة، لأن أثره لا يأتي على هيئة كلامٍ كثير، ولا أوامر صريحة، ولا مجالس تصنع حوله الضجيج.

بعض الأركان يشبه الجذور:

خفية،

ساكنة،

لكنها إذا مُسّت اضطربت الشجرة كلها ولو بقيت الأغصان واقفة.

وهكذا كانت فاطمة أم سعيد في هذا البيت.

لم تكن صاحبة الخطب التي تحفظها الأسماع،

ولا المرأة التي يسبق اسمها حضورها في المجالس،

ولا من تكثر الإشارة إليهن في أخبار الرجال حين يروون تاريخ الدول،

لكنها كانت شيئًا أعمق من ذلك كله:

الرحمة الصامتة التي ربطت أطراف البيت بعضها ببعض،

واليد التي حملت صفية أول ما دخلت بيت سعيد وهي خارجة من حياةٍ منكّسة،

والعين التي رأت باكرًا أن الله لم يجمع سعيدًا بصفية لبيتٍ صغيرٍ فقط، بل لأمرٍ أكبر من السكينة الفردية المعتادة.

كانت في السنوات الأولى من حياة سعيد معه لا تكتفي بأن تفرح له إذا رأته يميل إلى الخير، بل كانت تفهم —بفطرة الأمهات الكبيرات— أن الله إذا فتح على رجلٍ بابًا واسعًا فلا ينبغي لأمه أن تنشغل بزينته، بل أن تتهيأ معه لثقله.

ولهذا، حين دخلت صفية إلى بيت ابنها، لم تستقبلها ككنّةٍ فقط، بل كقدرٍ داخل على الأسرة.

ولذلك، إذا ذُكرت في البيت أيام الولادات، كانت حاضرة.

وإذا ذُكر خوف صفية في حملها الأول، كانت حاضرة.

وإذا ذُكرت ليالي البوسنة الأولى، وما فيها من ترتيب الداخل، وضمّ الصغار، وتقوية قلب صفية، وتخفيف ثقل سعيد من الجهة التي لا يعرف الرجال كيف يخففونها، كانت حاضرة أيضًا.

لم تكن تنفرد بالمشهد، لكنها كانت في كل مشهدٍ حقيقي.

وكانت صفية تعرف هذا جيدًا.

تعرف أن بعض النساء ينقذن حياتك بكلماتٍ قليلة وأفعالٍ لا يكتبها الناس.

تعرف أن الأم التي لم تلدك قد تفتح لك في قلبها موضعًا لا تفتحه بعض الأرحام.

ولهذا لم تكن ترى فاطمة أم سعيد “أم زوج” فقط، بل كانت ترى فيها الأم الثانية التي حملتها إلى بيت سعيد، ثم إلى معنى الدولة، ثم إلى المعنى الأكبر من ذلك كله:

أن الرحمة المنظمة تبدأ من النساء اللواتي لا يحتجن إلى ضجيجٍ ليُعرف وزنهن.

الباب الثاني: بعد الشيخ… كيف يظهر الغياب على الوجوه الهادئة

بعد استشهاد تقي الدين، تغيّر شيءٌ في البيت كله.

لم ينكسر، لكنه ثقل.

ولم تذبل الرايات، لكنها صارت أهدأ في قلوب أهلها.

وكان أكثر من ظهر عليه هذا التغيير بطريقته الخاصة فاطمة أم سعيد.

لم تكن من النساء اللواتي يكثرن الشكوى إذا دخل الحزن، بل كانت على العكس من ذلك؛

كلما عظمت المصيبة هدأ صوتها أكثر،

وصارت حركتها أبطأ،

وكأن روحها تنشغل بالمعنى حتى يقلّ منها الكلام.

لكن صفية —لشدّة ما عرفتها— بدأت تلتقط من ملامحها ما لا يلتقطه غيرها:

أن الجسد الذي كان يسند البيت بصمته بدأ يتخفف من الدنيا قليلًا،

وأن العين التي كانت تنظر إلى الصغار في سعةٍ مطمئنة، صارت تطيل النظر كما لو أنها تحفظهم،

وأن المرأة التي كانت تقف في كل أزمة وقفةً ثابتة، صارت تميل إلى الجلوس أكثر بعد المغرب، وإلى الصمت أكثر بعد العشاء.

دخلت صفية عليها في مساءٍ من تلك الأمسيات، فوجدتها جالسةً قرب النافذة، وبيدها سبحةٌ قديمة تعرفها منذ سنين.

وكان الضوء الهابط من آخر النهار ناعمًا على وجهها، حتى كأن الزمن نفسه أراد أن يلين عند هذه المرأة قبل أن يأخذها.

قالت صفية وهي تقترب:

— أراكِ ساكنة اليوم أكثر من المعتاد.

فرفعت فاطمة رأسها، وابتسمت تلك الابتسامة التي صار فيها من النور أكثر مما فيها من القوة، وقالت:

— السكون في آخر العمر نعمة يا ابنتي، إذا امتلأ القلب بما يكفيه.

جلست صفية إلى جوارها، ولم تحبّ الجملة، لأن القلوب تعرف أحيانًا أن بعض العبارات ليست عابرة.

قالت:

— لا أحب أن تتكلمي كأنك تودعيننا.

فقالت فاطمة:

— وهل أخاف أنا من التوديع إذا رأيت البيت قائمًا؟

ثم سكتت لحظة، وأضافت:

— رأيتُ سعيدًا رجلًا، ورأيتكِ أمًّا وعمادًا، ورأيت عبدالملك على الحكم، ورأيت البنات والصغار، ورأيت البوسنة تقوم من بعض ما كانت فيه. ما الذي أبقى عليه الخوف؟

وكان هذا الكلام نفسه هو ما أوجع صفية؛

لأن تمام الرضا من أفواه الكبار كثيرًا ما يكون بشيرًا خفيًا بقرب الرحيل.

فقالت وهي تحاول أن تردّ المعنى عنها:

— ما زال في البيت ما يحتاجك.

فقالت فاطمة برفق:

— البيت يحتاج دعائي أكثر مما يحتاج يدي الآن.

وسكتتا.

وكان بينهما صمتُ من يعرف أن بعض الأشياء إذا اقتربت لا تُطرد بالكلام.

الباب الثالث: أمُّ سعيد وابنها… المجلس الذي لا يشبهه شيء

أما سعيد، فكان أشد من شعر بما يجري، وإن لم يرد أن يسميه.

الرجال الكبار يعرفون هذا النوع من التحولات في أمهاتهم على نحوٍ لا يحتاج إلى لغة.

يعرفون من طريقة النداء،

ومن طول النظرة،

ومن هدوء التعب،

ومن أن الأم التي كانت تسأل عن كل شيءٍ في البيت صارت تسأل عنه لتطمئن، لا لتتدخل.

وكان هذا يربكه في سرّه، لكنه لا يملك عليه كلمةً واضحة.

في ليلةٍ هادئة، دخل عليها بعد أن فرغ من بعض شؤون المجلس، فوجدها وحدها.

جلس عند قدميها كما يجلس الرجال الكبار إذا عادوا إلى أمهاتهم، لا كما يجلس الأمراء في حضرة الناس.

قالت له وهي تنظر إلى وجهه طويلًا:

— أتعبك الحكم يا سعيد.

فابتسم ابتسامةً قصيرة وقال:

— أتعبني قبل الحكم، ثم أتعبني بعده.

فقالت:

— لكنك ما زلتَ ابنًا حين تجلس هكذا.

فقال:

— وهل يخرج الابن من أمه إذا صار له مجلس؟

ضحكت ضحكةً خفيفة، ثم مدت يدها إلى رأسه ومسحت عليه كما كانت تفعل وهو أصغر من ذلك بكثير.

وقالت:

— أردتُ أن أقول لك شيئًا من مدة.

فرفع عينيه إليها، وسكت.

قالت:

— إذا رأيتَ يومًا أن غيابي صار واقعًا، فلا تجعل الحزن يسرقك من البيت.

تحرك شيءٌ في صدره، لكنه تماسك وقال:

— لِمَ تقولين هذا الآن؟

فقالت:

— لأن بعض الكلام إذا تأخر، خرج ناقصًا.

ثم نظرت إليه نظرةً شديدة الصفاء وأضافت:

— يا سعيد، لا تظن أن الرجل إذا صار له شأنٌ كُفِي من الله ابتلاء الفقد. بل قد يزيده الله منه حتى يطهّر مقاصده. فإذا مضيتُ يومًا، فاذكر أنني كنت أريد لك المعنى لا الراحة.

وانخفض رأسه قليلًا.

لم يبكِ كما يبكي الصغار، لكنه شعر أن أمه تضع في قلبه شيئًا يشبه الوصية الأخيرة.

فقال بصوتٍ أجشّ خافت:

— لا تعجلي علينا.

فقالت:

— أنا لا أتعجل. أنا فقط أرتّب قلبي.

وكان ذلك المجلس من المجالس التي لا تُنسى، لأنها تُقال فيها الجمل كما تُقال في آخر الوقت لا في أوله.

ومنذ تلك الليلة، صار سعيد ينظر إلى أمه كلما دخل عليها بعينٍ أخرى:

عين الابن الذي بدأ يحفظ وجه أمه كما يحفظ الناس الأشياء التي يخافون أن تغيب.

الباب الرابع: صفية والأم الثانية… كيف يُعاد شكر العمر كله في أيامٍ قليلة

ما إن اشتد الضعف بفاطمة أم سعيد قليلًا، حتى انقلب قلب صفية كله نحوها.

لم تعد تنظر إليها بوصفها امرأةً كبيرة في البيت تحتاج إلى خدمة وحسب، بل بوصفها ركنًا من تاريخها الشخصي كله.

وكانت في الأيام التي تسبق الرحيل تتكرر على روحها مشاهدٌ قديمة:

يوم دخلت بيت سعيد أول مرة وهي تحمل بقايا زواجٍ منكسر وروحًا يابسة،

ويوم وجدت في فاطمة وجهًا لا يحاكمها،

وليلة حملها الأول،

وليالي بخارستان،

وخوف الولادات،

وبداية البوسنة،

ومجالس الداخل التي كانت فاطمة فيها تسندها من غير أن تأخذ مقعدًا في الصورة.

فشعرت صفية أن خدمة هذه المرأة في آخر أيامها ليست فضلًا من جديد، بل ردُّ شيءٍ من دينٍ قديم لا يُقضى كله.

كانت تجلس عندها طويلًا، تضبط لها غطاءها، وتعد لها الشراب، وتخفف عنها ما يمكن من الوجع، وتقرأ عندها شيئًا من القرآن، وتدع النساء يخرجن إذا شعرت أن فاطمة تريد أن تخلو بها.

وفي إحدى تلك الخلوات، قالت فاطمة لها:

— ما كنت أظن يوم رأيتك أول مرة أنك ستصيرين إلى هذا الموضع كله.

فقالت صفية، وعيناها فيهما بللٌ لا يكاد يخفى:

— وأنا ما كنت أظن أن الله سيعطيني أمًّا ثانية.

فابتسمت فاطمة، ثم قالت:

— أنا لم أكن أمًّا ثانية لكِ فقط… كنتِ أيضًا بعض جواب الله لي في ابني.

فسألتها صفية:

— كيف؟

قالت:

— كنت أخاف عليه من أن يضيع في سعة ما فُتح له إن لم يجد المرأة التي ترده إلى المعنى كلما مال إلى الصورة. فلما جئتِ، اطمأن قلبي.

وهنا لم تستطع صفية أن تحبس دمعتها.

أخذت يد فاطمة وقبّلتها، وقالت:

— وما كنتُ لأكون ما أنا عليه لولا أنكِ فتحتِ لي من بيتكِ وقلبكِ ما لم أجده في حياتي كلها.

وكان الحوار قصيرًا، لكنه كان كافيًا ليجمع عمرًا كاملًا بين امرأتين عرفتا كيف تصنعان بيتًا أكبر من كثير من الدول.

الباب الخامس: الرحيل… حين انطفأ السند الهادئ

ثم جاء اليوم الذي انطفأت فيه فاطمة أم سعيد.

ولم يأتِ صاخبًا، بل جاء على الصورة التي تشبهها:

هادئًا،

متدرجًا،

كأن الحياة نفسها كانت تخرج منها برفق لأنها تعرف قدرها.

كان البيت يومها ساكنًا على نحوٍ مختلف.

الصغار شعروا أن شيئًا كبيرًا يقع وإن لم يفهموا كله،

والرجال خففوا أصواتهم،

والنساء كن يتحركن كما يتحرك الناس في الغرف التي يظنون أن الملائكة أقرب فيها من العادة.

أما صفية فكانت عند رأسها، ومريم قريبة، وسعيد يدخل ويخرج كمن لا يستطيع أن يبقى بعيدًا ولا يقدر أن يحتمل طول الجلوس.

فتحت فاطمة عينيها في لحظاتها الأخيرة، ونظرت أولًا إلى سعيد، ثم إلى صفية، ثم إلى بعض من حولها.

وكان في نظرها رضا لا يفزعه الموت.

حرّكت شفتيها، فمالت صفية إليها، فسمعتها تقول:

— الحمد لله…

ثم قالت كلمةً أخرى خافتة لا تكاد تُسمع، لكنها وصلت:

— امضوا…

كأنها كانت تودعهم لا من البيت، بل من الطريق كله، وتقول لهم: لا تقفوا عند قبري.

ثم خرجت روحها.

ولم ينفجر البيت بالصراخ، بل امتلأ بذلك النوع من الحزن العميق الذي يجعل الدمع أهدأ، لكنه أثقل.

بكت صفية بكاء المرأة التي فقدت سندًا من أسانيد البيت الكبير.

لم يكن بكاؤها بكاء طفلةٍ يتيمة كما سيكون مع مريم، بل بكاء امرأةٍ تعرف أن بعض النساء إذا غبن، غاب معهن لونٌ من الطمأنينة لا يُعوَّض بسهولة.

وبكى سعيد بكاء الرجال الذين يأخذ منهم الموت الصوت أولًا ثم يردّه إليهم مكسورًا.

أما الأبناء والأحفاد، فقد شعروا أن ظلًا من ظلال الرحمة التي كانوا يعيشون فيها قد انطوى.

الباب السادس: ما بعد فاطمة… البيت الذي تعلم أن الرحمة نفسها قد تمضي

بعد دفنها، لم يعد البيت هو هو.

ليس لأن الجدران تبدلت، بل لأن البيوت تحفظ ظلال من فيها.

الزاوية التي كانت تجلس فيها بعد العصر،

صوت السبحة في يدها،

النداء الهادئ للصغار،

الطريقة التي كانت تدخل بها على صفية إذا رأت في وجهها تعبًا،

الالتفاتة التي كانت بها تكفي سعيدًا نصف الكلام،

كل ذلك صار أثرًا لا جسدًا.

وكان هذا النوع من الغياب من أشد ما يختبر الأسر الكبيرة، لأنه لا يأتي من جهة القرار أو المعركة، بل من جهة الحنان.

شعرت صفية بعدها أن بعض الثقل ازداد عليها في الداخل.

لا لأن العمل كبر فجأة، بل لأن المرأة التي كانت تحمل جزءًا من صمت البيت الصالح قد غابت، وصار عليها أن تحمل بعض ما كانت تحمله هي أيضًا.

وقالت لمريم أمها في مساءٍ بعد أيام:

— كأن البيت صار أعلى صوتًا بعد موتها، مع أن الناس فيه خفّضوا أصواتهم.

فقالت مريم:

— لأن الساكن إذا غاب، ظهر ما كان يستره من اضطراب العالم.

ثم أضافت:

— كانت من النساء اللواتي يوزعن السكينة من غير أن يشعر الناس.

وهذا الوصف كان دقيقًا إلى حدٍّ مؤلم.

لقد عرفت الأسرة يومها أن الرحمة نفسها إذا تجسدت في امرأة، ثم مضت، تركت في البيت فراغًا لا تملؤه الهيبة ولا كثرة الرجال.

لكنهم لم يتوقفوا.

وهذا هو سرّ هذه السلالة كل مرة:

أنها تبكي،

وتُدفن موتاها،

ثم تمضي.

لا لأنها لا تتألم، بل لأنها تعرف أن الألم إذا صار سببًا للتوقف خان معنى من مضى.