ولم يكن هذا المنصب عند الناس خبرًا عن بيتٍ عظيمٍ آخر فقط، بل كان عند من يعرفه خبرَ مطابقة:
كأن الرجل يشبه موضعه،
وكأن المدينة لما نظرت إلى هذا الغلام العميق الهادئ قالت: نعم.
كان إذا وقف في الحرم النبوي يقرأ، شعر من يسمعه أن صوته لا يخرج من طبقة أداء فحسب، بل من قلبٍ تهذّب على الصمت والخشية والفهم.
وكانت المدينة، بخلاف مكة، أقرب إلى طبعه.
في مكة جلالٌ ظاهر،
وفي المدينة سكينةٌ غائرة.
ومحمد كان من أهل السكينة الغائرة.
إذا جلس إلى الحديث والفقه، لم يتكلف الهيبة، لكنها كانت تخرج معه من حيث لا يريد.
وإذا سأل سائل، لم يُكثر الجواب، لكنه كان إذا أجاب ترك في النفس معنى أوسع من الألفاظ.
ولهذا أحبّه الناس هناك لا فقط من باب حسن صوته، بل من باب حسن حضوره.
وكانت سكينة بنت بدر الدين قد أحسنت إلى هذا كله.
لم تجعل المدينة عنده زينةَ مقام،
ولا بيته هناك مسرحًا لتعبٍ جديد،
بل ساعدته أن يبقى نفسه.