كما ألزمْتَ في خط البناء، وكما استقر في مسار الرواية عندك، فإن أحمد ومحمد انتقلا إلى إمامة الحرمين وهما في الخامسة والعشرين، لا قبل ذلك على وجه الصبا، ولا بعد ذلك على وجه الشيخوخة، بل في السن التي يكون فيها الرجل قد تشرب البيت بما يكفي، ولم تفسده الدنيا بعد بما يكفي أيضًا.
ولم تأتِ الخامسة والعشرون على أحمد كمجرد رقم.
بل جاءت بعد أعوامٍ من التربية المركبة:
أبٌ علّمه الجبال كما علّمه الوقار،
وأمٌّ علّمته أن البيوت لا تقل خطورة عن الثغور،
وجدٌّ رأى فيه المحراب قبل أن يراه الناس،
ومجالسُ قرآنٍ ووقفٍ ودولة،
وصوتٌ نما في البوسنة لكنه لم يبقَ فيها.
وفي تلك السنّ، بدأت تأتيه الإشارات من الخارج.
ليس استدعاءً رسميًا مباشرًا في أول الأمر، بل التفاتًا يتكرر:
من سمع قراءته وأثنى،
ومن نقل عنه علمًا،
ومن قال إن هذا الغلام لو وقف في موضع أعظم لسكن له الناس،
ومن رأى في وجهه قبولًا لا يصنعه التدريب وحده.
وكان البيت كله يفهم أن هذا التحول ليس انتقالَ وظيفةٍ من مكان إلى مكان، بل انتقالَ دورٍ من قلب الدولة إلى قلب الأمة.
فإذا كان عبدالملك يقف في البوسنة حيث الدولة،
وعبدالله يقف في موضع السيف والحدود،
فإن أحمد سيقف في موضعٍ آخر لا يقل خطرًا:
موضع المحراب الأكبر، حيث تُربّى قلوبٌ لا جيوش فقط.
جلس معه عبدالملك يومًا عند طرف من أطراف القصر أو بيت الحكم، وقال له:
— إن ذهبتَ إلى مكة، فلن تذهب باسم نفسك فقط، ولا باسم البيت فقط، بل باسم كل ما خرجتَ منه.
فقال أحمد:
— وهذا ما يخيفني.
فابتسم عبدالملك، وقال:
— الحمد لله.
ثم أضاف:
— لا أريدك أن تذهب لأنك تجيد القراءة فقط. أريدك أن تذهب لأن البيت كله يراك أهلًا أن تحمل موضعًا لو فسد فيه قلب الرجل، أفسد به ألوف القلوب التي تصلي وراءه.
فأطرق أحمد رأسه، وكان في وجهه من الخشوع ما يكفي لأن تطمئن له صفية لو رأته.
أما صفية، فلما سمعت أن الباب يفتح له ناحية الحرم، لم تفرح فرحًا خالصًا.
شعرت بشيءٍ من الهيبة والوجع معًا.
لأن مكة ليست مكانًا تذهب إليه البيوت العظيمة لتتباهى بأبنائها،
بل موضعٌ إذا دخلته الأسماء نزع منها الله كثيرًا من زينتها وأبقاها على قدر حقيقتها.
فقالت له وهي تمسك يده:
— إذا وقفتَ هناك، فلا تقف كابن ملكٍ خرج إلى محراب. قف كعبدٍ عرف أن البيوت قد تعظُم في الدنيا، لكنها عند الكعبة تصغر جميعًا حتى يبقى الله وحده كبيرًا.
فقال:
— أعلم يا أمي.
لكنها رأت في عينه أنه لا يقول “أعلم” مجاملة، بل لأنه عرف المعنى فعلًا.