باب من الرواية

الباب الثاني: آية بنت عماد الدين… البيت الذي دخل منه الهدوء إلى قدره

الفصل الرابع والثلاثون — أحمد إلى الحرم

لم تكن حياة أحمد لتستقيم في موضع المحراب الكبير لو جاءته زوجةٌ لا تعرف كيف تحرس السكينة من ضجيج المجد.

ولذلك جاء اقترانه بـ آية بنت عماد الدين على صورة توافقٍ عميق، لا مجرد مصاهرةٍ بين بيتين.

وكانت آية من تلك النساء اللواتي لا يملأن المشهد صوتًا، لكنهنّ إذا دخلنه استقام.

فيها من التربية الرفيعة ما يكفي لأن تفهم المقامات،

وفيها من الهدوء ما يجعل الرجل إذا رجع من تعب يومه لا يشعر أنه دخل إلى مجلسٍ آخر من المطالب والضوضاء،

وفيها من العقل ما يجعلها تعرف أن الرجل إذا اختاره الله لمحرابٍ كبير، احتاج إلى زوجةٍ تحفظ له قلبه قبل ثوبه.

عرفتها صفية منذ وقتٍ مبكر، فقد كانت من بيت عماد الدين، وبيت عماد الدين من البيوت التي اختلطت فيها القرابة بالتجربة والمجالس والعلم والحركة في البوسنة.

وكانت ترى فيها دائمًا صفاءً لا يُعلن نفسه، وحضورًا يعرف حدوده، وحياءً لا يورث ضعفًا.

فلما بدأت تلاحظ على أحمد ازدياد ميله إلى العزلة النافعة، والقراءة، والتلاوة، والتأمل الطويل، خطر في قلبها أن هذا النوع من الأبناء لا يصلح له إلا زواجٌ من امرأةٍ لا تفسد عليه هذا التكوين.

وفي مجلسٍ داخلي، قالت لسعيد:

— أحمد ليس كإخوته.

فقال:

— أعلم.

— ويحتاج لامرأةٍ تحفظه من جهتين: من أن يزدهي به الناس، ومن أن يضيع هو في صمته.

فقال:

— وترين آية؟

قالت:

— نعم.

فسكت قليلًا، ثم قال:

— وأنا كذلك.

وكان الترتيب لهذه المصاهرة هادئًا، خاليًا من ذلك التباهي الذي يصيب بعض البيوت إذا أرادت أن تعلن أن أبناءها تزوجوا من فلان وبنات فلان.

فالبيت كله في ذلك الطور لم يعد يرى الزواج استعراض نسب، بل بناء أدوار.

وزواج أحمد لم يكن يراد له بيتًا جميلًا فقط، بل بيتًا يستطيع أن يحمل مستقبلًا من نوعٍ خاص.

وحين جلست آية بين يدي صفية في أول حديثٍ واضح بينهما، قالت لها صفية بصراحةٍ رفيقة:

— أحمد ليس رجل قصور، ولا رجل صخب.

فأطرقت آية برفق، وقالت:

— أعلم.

— وقد يأتيه من الناس من يرفعونه فوق قدره لأنه يقرأ، أو لأنه من هذا البيت، أو لأنه يسكن الهدوء.

فقالت آية:

— والذي يعرف نفسه بالله لا ترفعه أعين الناس طويلًا.

فنظرت إليها صفية طويلًا، وعرفت من جوابها أن الفتاة ليست تحفظ الكلمات فقط، بل تفهمها.

فقالت:

— إذن أرجو أنكِ له.

وهكذا دخلت آية إلى قدر أحمد لا كزوجةٍ فقط، بل كحارسةٍ للسكينة التي ستسكنه.