باب من الرواية

الباب الرابع: الرحيل إلى مكة… حين خرج ولدها ولم يخرج من قلبها

الفصل الرابع والثلاثون — أحمد إلى الحرم

جاء يوم الرحيل إلى مكة.

وكان هذا من الأيام التي لا تشبه الفتوح العسكرية ولا انتقالات الحكم.

لا صليل سيوف،

ولا خرائط،

ولا وفودُ ثغور،

بل شيءٌ أهدأ وأعمق:

بيتٌ يودع ولدًا إلى المحراب.

خرج أحمد، وآية إلى جواره، على هيئة زوجين لا يذهبان إلى نعيمٍ جديد، بل إلى تكليفٍ جديد.

وكان في المشهد كله وقارٌ عجيب.

حتى الصغار في البيت شعروا أن هذا السفر ليس كسائر الأسفار.

خديجة وعائشة نظرتا إلى آية وكأنهما تعلمان أن مكة بعيدة،

وفاطمة الصغيرة كانت تلوّح كما يلوّح الأطفال ولا تفقه عمق الفراق،

أما محمد فكان أكثر من فهم أن أخاه لا يذهب لمدينةٍ أخرى فقط، بل إلى مقامٍ سيغير وجه حياته.

وقفت صفية أمامه، وأرادت أن تقول كثيرًا، لكنها عرفت أن الكلمات إذا كثرت في هذه اللحظات تفسد هيبة بعضها.

فضمته طويلًا، ثم قالت:

— لا تنسَ البوسنة وأنت في مكة.

فنظر إليها متعجبًا قليلاً، فقالت:

— أقصد: لا تنسَ أن وراءك قرى وأرامل ومساجد صغيرة ووقفًا ودمًا ومقابر. لا أريد لمكة أن تنزع منك الطريق الذي خرجتَ منه.

فهز رأسه وقال:

— لن أنساه.

ثم قالت آية، وقد كانت قريبة تسمع:

— وسأذكّره إن نسي.

فابتسمت صفية، وعرفت أن الله لم يختر له صاحبةً تغيب عنها هذه المعاني.

ولما ركب أحمد ومضى، وقفت صفية حتى غاب عن عينها.

كانت تفعل ذلك مع أبنائها في الأسفار الكبيرة، كأن العين آخر ما تريد أن تعطيه الدعاء قبل أن تفقده الطريق.

وحين دخلت بعد ذلك إلى بيتها، شعرت أن أحد أبوابه الداخلية قد انتقل إلى جهةٍ أخرى من العالم.