باب من الرواية

الباب السادس: أحمد ومحمد… الإخوة الذين لم يكونوا ظلالًا في بيت الملك

الفصل التاسع والعشرون — السنوات الأولى من عهد عبدالملك

وفي هذه السنوات الأولى من عهد عبدالملك، لم يكن إخوته مجرد أبناء بيتٍ عظيم يجلسون في الخلف يكتفون بالاسم.

كان أحمد ومحمد وغيرهما من الإخوة يتشكلون أيضًا في قلب الدولة، كلٌّ بطبعه ومعدنه ومجاله.

أما أحمد، فكان أشدهم اندفاعًا في الظاهر، وفيه حدةُ حياةٍ لا تخفى، لكن تحت تلك الحدة قلبٌ يحب الحق إذا وُجّه، ويغضب إذا رأى الباطل وقربه.

وكان سعيد قبل تسليمه الحكم لعبدالملك قد حرس أن لا تتحول حدة أحمد إلى عجلة، ولا شجاعته إلى تهور.

أما محمد، فكان فيه من السكينة والعلم ما يجعل المجلس يهدأ إذا دخل، وإن لم يكن أكثرهم كلامًا.

وكان قلبه أميل إلى المحاريب والعلم، لكنّ ذلك لم يمنعه من فهم الدولة من حوله.

وكان عبدالملك يعرف أن البلاد لا تُبنى برجال نوعٍ واحد، بل تحتاج من يقف على الثغور، ومن يعقل الداخل، ومن يربط السياسة بالعلم، ومن يحمل بين الناس صورة الدين بلا خشونة.

وفي إحدى الليالي، جمعهم عبدالملك في مجلسٍ صغير بلا هيبة رسمية.

جلس هو، وأحمد، ومحمد، وعبدالله الأصغر، وتكلموا في حال البلاد.

قال أحمد:

— نحن نحتاج أن نضرب بيدٍ أقوى في بعض الأطراف.

وقال محمد:

— ونحتاج أن لا نُفسد بعض القلوب التي يمكن ردها لو أُعطيت فرصة.

فنظر عبدالملك إلى الاثنين وقال:

— ولهذا أنا أحتاجكما معًا.

ثم أضاف:

— لا أريد في هذا البيت رجلًا يظن أن الدولة لا تثبت إلا بالشدة، ولا آخر يظن أنها تُدار باللين وحده.

وساد صمتٌ فهم فيه كل واحدٍ أن عبدالملك لا يريد إخوةً في البيت، بل أضلاعًا في البناء.