باب من الرواية

الباب الرابع: عبدالملك يخرج إلى الأقاليم… الحاكم الذي يريد أن يرى بعينه قبل أن يسمع بأذنه

الفصل التاسع والعشرون — السنوات الأولى من عهد عبدالملك

ولم يكن هذا الخروج عنده ترفًا ولا رغبةً في صنع الصورة.

كان يعرف أن الدول إذا اتسعت أوراقها ولم تتسع أقدام حكامها في الأرض، أصابها نوعٌ من العمى البارد.

ولذلك، بعد أشهر قليلة من حكمه، أعلن أنه سيخرج إلى عددٍ من النواحي بنفسه، لا ليقيم مواكب استعراض، بل ليرى.

اعترض بعض كبار المجلس أولًا.

قال أحدهم:

— مقامك الآن لا يحتمل هذا القدر من الحركة.

وقال آخر:

— الناس يكفيهم أن تصدر إليهم الأوامر.

لكن عبدالملك قال جملته التي صارت بعد ذلك منسوبةً إليه في أكثر من موضع:

— الأرض لا تُقرأ من الدواوين وحدها.

وخرج.

كانت أول جولة له نحو القرى التي طالما ذكرتها أمه في دفاترها، وذكرتها مجالس أبيه في سياق الحاجة لا الزينة.

دخل قريةً في صباحٍ بارد، من غير أن يسبق دخوله ضجيجٌ كبير.

كان الناس قد علموا بقربه، نعم، لكنهم لم يتهيؤوا له كما يُتهيأ للزيارات التي يُمسح فيها الفقر من وجه الطريق ساعةً ثم يعود بعد انصراف الموكب.

نزل عن فرسه عند الساقية.

وقف عند الماء، ومد يده، ونظر إلى جريه، ثم سأل الرجل القائم عليه:

— كم ينقطع عنكم في الصيف؟

فقال الرجل مترددًا، كأنما لا يصدق أن الحاكم يسأله مباشرةً:

— كثيرًا يا مولاي.

فقال عبدالملك:

— ومن كتب هذا في الدفتر؟

فساد صمتٌ محرج.

ثم قال الرجل:

— لا أدري إن كان قد كُتب أصلًا.

وهنا عرف عبدالملك أن بعض الخراب لا يأتي من ظلمٍ صريح، بل من النسيان المؤسسي.

ثم دخل المسجد الصغير، وجلس إلى الإمام، وسأله عن الصغار، وعن حلقاتهم، وعن حضور النساء من وراء الستر، وعن الأحوال لا عن الخطب وحدها.

وسأل عجوزًا على باب بيتها عن الخبز والبرد والمرض، ولم يأنف أن يقف عند حديثها الطويل المتقطع.

وفي اليوم نفسه، رأى بعينه ما كانت أمه تراه من قبل بالأوراق:

أرضًا لا تكفيها عدالة العنوان،

بل تريد أن يُمشى إليها.

وحين عاد، قال في مجلسه:

— لا أريد بعد اليوم تقريرًا عن قريةٍ لا تكون فيه عينٌ رأت، لا قلمٌ سمع فقط.

وكان هذا التوجيه بداية تحوّلٍ جديد في الإدارة نفسها.