باب من الرواية

الباب الثاني: الليلة الأولى بعد الجلوس… حين عرف الفتى أن العرش لا يرفع القلب بل يختبره

الفصل التاسع والعشرون — السنوات الأولى من عهد عبدالملك

بعد المجلس الأول، وبعد أن انفضّ الرجال، وسكنت الأفنية، وعاد كلٌّ إلى بيته يحمل انطباعه وأمله وخوفه، بقي عبدالملك وحده مع ليلته الأولى.

وهذه الليالي لا يكتبها الكتبة في سجلات الدول، لكنها هي التي تكشف معادن الحكام.

ماذا يفعل الرجل إذا خلا بنفسه بعد أن صفّق له الناس، أو بايعوه، أو نظروا إليه بوصفه سيد الغد؟

أيفرح كما يفرح الأطفال إذا أُعطوا لعبةً طال شوقهم إليها؟

أم يرتجف في سرّه لأنه يعرف أن ما بين يديه ليس لعبةً ولا مجدًا خالصًا، بل حسابًا يبدأ الآن؟

جلس عبدالملك في غرفةٍ صغيرة داخل بيت الحكم، ولم يطلب أن يبقى معه أحد.

أطفئت بعض المصابيح، وبقي نورٌ واحد خافت عند الجدار، وكانت أوراق قليلة أمامه: أسماء رجال، أخبار ثغور، أحوال قلاع، رسائل قرويين، دفاتر أوقاف، وتقارير من بعض الأقاليم.

وكان المشهد كله، في ظاهره، بسيطًا، لكنه كان في حقيقته صورةً مصغرة للبوسنة نفسها:

خارجٌ يحتاج أن يُحمى،

وداخلٌ يحتاج أن يُصان،

ورجالٌ فيهم الصادق والمتلون،

وأرضٌ واسعة لا تكفيها الخطابات.

دخل عليه سعيد بعد حين.

لم يدخل دخول الأب الذي جاء يربت على ابنه يومَ نجاحه، بل دخول المؤسس الذي يعرف أن الليلة الأولى أخطر من المجلس نفسه.

وقف قليلًا، ثم قال:

— لم تنم.

فقال عبدالملك:

— لم أستطع.

اقترب سعيد، وجلس قبالته، ثم سأل:

— أفرحٌ أم خوف؟

فرفع عبدالملك عينيه إليه، وقال الجملة التي رضيت عنها روح سعيد قبل سمعه:

— ليس فرحًا يا أبي… بل شيءٌ أثقل.

فقال سعيد:

— الحمد لله.

ثم سكت قليلًا، وأخذ إحدى الأوراق بين يديه، وقال:

— الناس يظنون أن الحكم يبدأ من الكرسي.

فقال عبدالملك:

— وأين يبدأ؟

فقال:

— يبدأ من الليلة التي تجلس فيها وحدك، فلا يعجبك صوت نفسك أكثر من صوت الحق.

وكانت هذه أول وصيةٍ في ليل الحكم، لا من جهة التشريف، بل من جهة الحراسة الداخلية.

ثم قال له:

— غدًا سيأتيك من يمدحك لأنك شاب، ومن يختبرك لأنك شاب، ومن يريد أن يقرب منك لأنك صرت الحاكم، ومن يخاف أن تضبطه لأنك لست كغيرك. لا تدع حب الظهور ولا خوف الإساءة يجرّانك إلى قرارٍ واحد.

فقال عبدالملك:

— وكيف أعرف؟

فقال سعيد:

— انظر: من الذي يتكلم عن البلاد أكثر من نفسه؟ ومن الذي إذا دخل عليك أدخل مع اسمه حاجة الناس؟ ومن الذي إذا مدحك أحسستَ أن المديح عنده سلّم لا محبة؟

ثم أضاف:

— الرجال يُقرأون من مواضع جوعهم.

ولم تكن صفية بعيدةً عن هذه الليلة أيضًا.

دخلت بعد خروج سعيد، لا لتزيد عليه الكلام، بل لتضع في ليله بعض ما لا يقوله الرجال.

وقفت عند الباب أولًا، ثم قالت:

— أتيتُ لأناملك وحدها لا تكفي لحمل البلاد.

فابتسم، وقال:

— وهل الأمُّ تمازح في مثل هذه الليلة؟

فقالت:

— لا أمازح.

ثم تقدمت قليلًا وأضافت:

— لا تنسَ الباطن وأنت تحمل الظاهر.

— تقصدين؟

— إذا جاءك خبرُ حصنٍ متمرد، فتذكر معه بيتًا فيه امرأة تخاف أن ينقطع خبزها. وإذا رسموا لك حدودًا على الورق، فاذكر أن وراء الخطوط وجوهًا وأسماءً ومرضى ومآذن وبناتٍ يتعلمن.

ثم قالت، وقد نظرت في عينيه نظرةً يعرفها من طفولته:

— إن حفظتَ الداخل، أعانك الله على الخارج. وإن احتقرتَ الداخل يومًا، أكلك الخارج مهما ربحت منه.

وكان عبدالملك يسمع، ولا يشعر أن الكلام يثقله، بل يشعر أنه يجمعه من جهتين:

جهة الأب الذي يقرأ الرجال والحدود،

وجهة الأم التي تقرأ البيوت والوجوه المنسية.

وهكذا خرج من ليلته الأولى لا مزهوًا، بل متوازنًا.