باب من الرواية

الباب الحادي عشر: الجبال الأولى… كيف بدأ سعيد وتقي الدين يأخذان الكبار إلى الأفق

الفصل الثاني والعشرون — بيتُ بخارستان يمتلئ بالأبناء

لم يعد القرآن وحده في المسجد، ولا اللعب وحده في الساحة، بل صار الأفق جزءًا من المنهج، وصارت الجبال كتابًا مفتوحًا يُقرأ فيه الأولاد كما يقرأون في الألواح.

كان عبدالملك أول من دخل هذا الباب على نحوٍ مقصود.

لم يعد رضيعًا ولا طفلًا متعثرًا فقط، بل صار قادرًا على المشي مسافاتٍ قصيرة، وعلى الإصغاء لحديث الرجال، وعلى أن يشعر بالرهبة إذا ارتفع به الطريق قليلًا.

وكان أحمد يلحق به، ثم يأتي بعدهما محمد حين اشتد عوده، بينما تبقى البنات وأصغر الصغار في البيت مع صفية والأمّين.

في أحد صباحات الربيع، خرج سعيد وتقي الدين بعبدالملك وأحمد إلى الجبل القريب.

لم يكونا ذاهبين لبطولةٍ ولا لامتحان شدةٍ خارق، بل لدرسٍ أول.

ساروا بهم على مهل، وتوقفوا في مواضع عدة.

مرةً ليشربوا الماء،

ومرةً ليريهم سعيد كيف ينظر المرء إلى السهل من فوق، فيفهم معنى الاتساع،

ومرةً ليقول تقي الدين:

— الجبل لا يُصعد بالجري، بل بالثبات.

وكان عبدالملك يصغي.

أما أحمد، فكان يسأل كثيرًا.

وهذا الاختلاف بين الولدين بدأ يظهر باكرًا:

الأول فيه وقار نظرٍ أطول،

والثاني فيه حيوية سؤالٍ أسرع.

وكان سعيد يحب هذا الاختلاف، لأن التربية ليست في صبِّ الأولاد في قالبٍ واحد، بل في معرفة طبع كل واحدٍ منهم ثم تهذيبه.

ولما عادوا مساءً، كانوا متعبين، لكن في وجوه الصغار ضوءًا جديدًا.

سألتهم صفية:

— ماذا فعلتم؟

قال أحمد بحماس:

— رأينا السهل كله!

وقال عبدالملك، وكان أقل كلامًا:

— الجبل عالٍ… لكنه لا يخيف إذا كنت مع أبي.

فسكتت صفية لحظةً لهذه الجملة، ثم نظرت إلى سعيد.

وكان في نظرها شكرٌ لم تقله.

لأن الأب حين يجعل الجبل درسًا في الطمأنينة لا في الرعب، يضع في ولده حجرًا مهمًا من بناء الرجولة.

ثم صارت هذه الخرجات تتكرر، تارةً مع سعيد، وتارةً مع تقي الدين، وتارةً معهما معًا.

وفي بعض الأيام، كانوا يحملون معهم أقواسًا صغيرة من الخشب لا للرمي الحقيقي، بل لتعويد اليد على الإمساك والانتباه، أو خيولًا هادئة ليعتاد الأطفال الاقتراب منها أولًا قبل ركوبها يومًا.

وهكذا بدأت الفروسية في بخارستان لا بوصفها مهارةً فقط، بل بوصفها جزءًا من فلسفة البيت التي تمزج القرآن بالأرض، والقبلة بالأفق.