ومع مرور الأعوام القليلة، بدأت ملامح البيت في بخارستان تشتد.
لم يعد مجرد بيتٍ ناشئ، بل صار فيه ساحةٌ تُسمع فيها خطوات الصغار منذ الصباح، ومسجدٌ يُفتَح للفجر كما يُفتح للمغرب، وأشجارٌ صار لعب الأطفال حولها جزءًا من هويتها، وسهلٌ يعرف وقع الأقدام الصغيرة بعد الكبيرة.
وفي هذا الجو، جاء حمل عبدالله.
وكان مجيئه مختلفًا عن الأحمال السابقة من جهة أن صفية لم تعد تتعامل مع الحمل بصفته حدثًا يملأ البيت وحده، بل حدثًا يتعين عليها أن تنسقه داخل بيتٍ ممتلئ أصلًا.
كان عبدالملك قد بدأ يعقل الكلام أكثر، وأحمد صار أشد حضورًا، ومحمد ومريم يدخلان طور الحركة الأولى، فصار الحمل الجديد كأنه يُضاف إلى أوركسترا قائمة لا إلى صمت.
قالت صفية لسعيد يوم أخبرته:
— هذه المرة لا أشعر أنني حامل فقط… أشعر أنني أدير مدينة صغيرة.
فضحك وقال:
— الحمد لله أن المدينة في يدِك لا في يدِ رجلٍ مثلي.
قالت:
— ولماذا؟
قال:
— لأنني كنت سأعلن الأحكام العرفية من اليوم الأول.
فضحكت، ثم قالت وهي تضع يدها على بطنها:
— لعل هذا الولد يأتي وفيه شيءٌ من السكون.
فقال:
— بل لعل فيه شيءٌ من الثبات.
ولم تكن التسمية قد استقرت بعد، لكن اسم عبدالله كان يمر في المجلس بين وقتٍ وآخر، حتى كأن الرحم نفسه يسمعه ويألفه.
وكان تقي الدين يحب هذا الاسم، ويقول:
— ما أجمل أن يُفتتح عمر الرجل بأن يكون عبدًا لله قبل كل شيء.
وكان هذا الحمل أهدأ على صفية من حمل التوأم، لكن مشقته جاءت من جهةٍ أخرى:
من كثرة من حولها.
كل طفل يحتاجها بطريقته، وكل واحدٍ منهم له ساعة بكاء، وساعة لعب، وساعة تعلق، وساعة نوم.
وكانت تشعر أحيانًا أن يومها مقطعٌ إلى عشرات الأجزاء الصغيرة التي لا تكاد تنتهي.
لكنّ ما كان يخفف عنها دائمًا هو أن البيت كله لم يتركها وحدها.
فهذا معنى الأسرة الحقيقية:
أن الأم تحمل الثقل الأكبر، نعم، لكن لا تُترك تحته.
وفي أحد الأيام، أخذ سعيد عبدالملك وأحمد إلى طرف الجبل القريب، ليعودا قبل الغروب.
ولما عادوا، كان على وجه عبدالملك غبارٌ خفيف وفرحٌ متعب، وعلى وجه أحمد دهشة من رأى العالم أكبر مما كان يظن.
قال سعيد لصفية:
— الجبل يعلّم الأولاد الصمت أولًا.
فقالت وهي تنظر إلى حاليهما:
— ويعلم الآباء أيضًا أن يعودوا بهم قبل أن ينهاروا من الجوع.
فضحك، وأجلسهما بين يديها، وشعرت أن الحمل الجديد في بطنها يبتسم من داخله لبيتٍ بدأ يتشكل حول القوة والرحمة معًا.
ثم جاء وقت الولادة، وخرج عبدالله إلى الدنيا في ليلةٍ هادئة نسبيًا، حتى قالت مريم:
— لعل هذا الولد اختار أن لا يرهق أمه كما فعل إخوته.
وقال سعيد وهو يؤذن في أذنه:
— أو لعل الله جعل طبعه في مجيئه.
واستقر الاسم: عبدالله.
وكان في وجهه منذ الأيام الأولى شيءٌ من الهدوء الذي لا يعني الضعف، بل يعني استقامةً داخلية.
ولذلك أحبّه تقي الدين على نحوٍ خاص، وقال مرةً وهو يحمله:
— هذا سيكون له شأن في الثبات.