وإذا كانت صفية أمّ الطريق،
فإن عبدالملك كان وجه الطريق إذا خرج إلى الناس ملكًا.
ليس أعظم ما فيه أنه حكم صغير السن ثم كبر حتى صار عهدًا،
ولا أنه فتح،
ولا أنه ثبت،
ولا أنه جمع بين الداخل والخارج،
بل أعظم ما فيه أنه أثبت أن الملك لا يحتاج أن يقتل الرحمة حتى يبقى مهيبًا.
وهذا من أعسر ما يقدر عليه الرجال في السلطة.
فالسلطة تغري بالقسوة،
والفتح يغري بالاستعلاء،
والنجاح يغري أن يظن المرء أن الناس خُلقوا ليحملوا صورته لا ليحمل هو وجوههم.
لكن عبدالملك كان من هذا البيت،
من صفية،
ومن سعيد،
ومن تقي الدين،
فبقيت فيه الهيبة مربوطة بشيءٍ آخر:
الضمير.
ولهذا أحبته البلاد وهي تهابه،
وثبتت به الثغور وهي لا تخاف أن يأكلها إذا اشتد،
وعرفت فيه القرى والرعايا أن الراية يمكن أن تحمي ولا تبتلع.
ثم جاء موته مع صفية وسعيد في السيارة المفخخة،
فحوّل الملك نفسه إلى ختم دموي.
كأن التاريخ قال يومها:
هذا الرجل الذي جمع في قلبه الحكم والرحمة والدم بعد الفقد،
لن يخرج من القصة بهدوء رجلٍ تعب ونام،
بل سيخرج على صورة المرحلة نفسها:
عظيمة،
موجعة،
لا تُنسى.