لكنّ القلب، مهما دار بين الرجال والفتوح والحكم، يعود في النهاية إلى صفية.
إليها، لأنها ليست فقط البطلة المركزية في الحكاية،
بل لأنها الموضع الذي تحوّل فيه الألم إلى طريقة حياة.
لقد بدأت ولا تعرف نفسها.
ثم عرفت.
وبعد أن عرفت، لم تنكسر من كِبَر ما اكتشفت،
ولم تجعل اسمها المسترد سكينًا على رقاب كل من شارك في مأساتها،
ولم تتعطش إلى الانتقام حتى تلبسه ثوب العدل.
بل صارت شيئًا أندر من ذلك بكثير:
صارت امرأةً تعرف أن الجرح إذا دخل القلب الصادق لا يلزم أن يخرج دمًا فقط،
بل قد يخرج رحمةً مرتبة،
ودولةً،
وأوقافًا،
وبيوتًا،
وأجيالًا.
ولهذا فإن الجواب الأخير عن صفية لا يكفي فيه أن نقول:
هي ابنة مريم وتقي الدين،
أو زوجة سعيد،
أو أم عبدالملك وإخوته،
أو ملكة البوسنة،
أو المرأة التي غيرت التاريخ.
كل هذه الأجوبة صحيحة، لكنها ليست الأعمق.
الجواب الأعمق هو:
كانت الطفلة التي بدأت ضائعة، وانتهت أمًّا لطريقٍ كامل من النور.
أمًّا لرحمةٍ خرجت من جرحها،
وأمًّا لملكٍ لم يقتل قلبه،
وأمًّا لرجالٍ حملوا الثغر،
وأمًّا لمحاريب دخلت الحرمين،
وأمًّا لسلسلةٍ عرفت كيف تحمل الدم ولا تتحول به إلى نارٍ تعميها.
ولهذا لا تموت صفية في الرواية حين يُدفن جسدها.
إنما تبقى في كل موضعٍ يقول فيه الناس:
يمكن للألم أن يلد خيرًا.
ويمكن للمرأة أن تكون عمودًا للتاريخ لا هامشًا فيه.
ويمكن للرحمة أن تكون من صلب الدولة لا من حواشيها.