وأما سعيد، فقد كان أكبر ما فيه أنه لم يدخل الطريق وهو مطمئن إلى نفسه.
كان يخاف،
لا من المعركة وحدها،
ولا من الفشل وحده،
بل من أن يعطيه الله بابًا واسعًا ثم لا يكون نقيًّا بما يكفي لحمله.
ومن هذه الخشية خرج خيره كله.
فالرجل الذي لا يخاف من نفسه إذا فُتح له،
قد يبني دولةً ثم تفسده الدولة،
وقد يرفع رايةً ثم تلتهمه الراية،
وقد يُحب امرأةً ثم يحوّلها إلى جزءٍ من مجده الشخصي لا إلى شريكة معنى.
أما سعيد، فقد دخل على صفية،
ثم على البيت،
ثم على بخارستان،
ثم على البوسنة،
ثم على الحكم،
بروح من يسأل دائمًا:
هل ما زال الله راضيًا عن نيتي؟
وهذا السؤال هو الذي أنقذه من أن يصير واحدًا من الفاتحين الذين يكبرون خارجهم ويصغر داخلهم.
ولهذا بقي بعده في السلسلة شيءٌ لا يقدر عليه كثير من المؤسسين:
بقي الصدق.
ولم يمت سعيد ميتة مريحة بعيدة عن الطريق،
بل خرج من الدنيا في قلب ما بناه،
مع صفية،
ومع عبدالملك،
في الضربة التي أرادت أن تمحو طورًا كاملًا من التاريخ.
وكأن الله ختمه عند الذروة،
حتى لا يقال يومًا:
بدأ خيرًا ثم أفسدته الراحة.
بل يقال:
بنى،
وحمل،
ثم مضى وهو ما يزال في موضع الحمل.