ثم جاء وقت التسليم.
ولم يكن مشهدًا صاخبًا،
ولا قهرًا على رجلٍ انهار فانتُزعت منه الدولة،
جلس أسد الإسلام أمام الناس، وفي وجهه أثر السنين لا أثر الانكسار،
وفي صوته صفاء رجلٍ لا يتهرب من حمل الدولة، لكنه لا يجعل الدولة حجةً ليمسك بها إلى آخر رمقٍ في جسده.
تكلم قليلًا.
وكان القليل في مثل هذه المجالس أثقل من كثير المديح والشرح.
قال ما معناه:
إن الدولة التي مرت بالدم، ثم بالعدل، ثم بالتثبيت، لا ينبغي أن تُترك لاضطراب الانتقال.
وإن من حق البلاد على من حملها أن يسلّمها كما حملها:
مرتبة،
واضحة،
غير ممزقة بين الأسماء.
ثم نظر إلى عمر، وكان في نظرته من الرضا بقدر ما فيها من تسليم،
وقال ما يكفي ليعلم الناس أن الجيل التالي لا يأتي من فراغ،
بل من سلسلة فهمٍ وجهادٍ وانضباط.
وبكى الناس يومها كما يبكي الناس الرجال الذين يخففون أيديهم عن المقام وهم قادرون على التشبث به.
لا بكاء الضعف،
بل بكاء الإدراك أن هذا النوع من الرجال قليل.