باب من الرواية

الباب السادس: الجهاد الأخير

الفصل الحادي والأربعون — أسد الإسلام في الميدان

“ثم التسليم الذي كان جهادًا أخيرًا.”

وهذا من أندر أنواع الجهاد.

فليس كل الجهاد سيفًا في الميدان،

بل بعضه أشق من السيف:

أن يعرف الرجل متى يُخفف يده عن المقام.

أن يقاوم حبّ البقاء في الصورة العليا من نفسه.

أن يسلم وهو واقف، لا وهو مكسور.

أن يقدّم الدولة على اسمه، والاستمرار على لذة التشبث.

وكان أسد الإسلام قد رأى في مرضه، وفي اكتمال بعض البناء، وفي نضج من بعده، أن الجهاد الأخير ليس أن يبقى حتى تُنتزع الدولة من يده،

بل أن يسلّمها على الصورة التي تليق ببيتٍ تربى على هذا المعنى منذ أول السلسلة.

فكما سلم عبدالله من قبل وهو قائم،

بدأ أسد الإسلام يهيئ عهده لما بعده لا على هيئة خوفٍ من الغد،

بل على هيئة رجلٍ يريد أن يبقى أثره صحيحًا حتى بعد أن يغيب عن مقعده.

ولم يكن هذا تراجعًا عن القوة.

بل كان ذروة القوة.

لأن الضعفاء هم الذين يمسكون بالمقام حتى يفسدوا هم ويفسد معهم كل شيء،

أما الرجال الكبار فيعرفون أن من تمام جهادهم أن لا يجعلوا الدولة رهينة أعصابهم وجسدهم واسمهم.

وكان يقرب عمرًا أكثر في مواضع تحتاج عقلًا متأملًا لا مجرد وراثة،

ويعيد ترتيب بعض الدواوين،

لا إهمالًا،

بل إعدادًا.

وقد فهم العقلاء في مجلسه ما يجري قبل أن يعلن.

فهذا الرجل، بعد الفتح والمرض والصفاء، بدأ يدخل جهاد التسليم.