باب من الرواية

الباب الخامس: ما رآه في المرض

الفصل الحادي والأربعون — أسد الإسلام في الميدان

حين يمرض الحاكم الصادق قليلًا، يرى أشياء لا يراها في الصحة.

يرى هشاشته،

ويرى من يخلص له ومن يلتصق بالمقام فقط،

ويرى ما إذا كانت الدولة تتنفس من جسده وحده أم من مؤسساتها أيضًا،

ويرى أخيرًا إن كان أعدّ من بعده كما ينبغي أم ما زال يؤجل ذلك.

وقد رأى أسد الإسلام في مرضه هذا كله.

رأى عمر بن عبدالله أكثر نضجًا مما كان يظن بعض الناس.

ورأى رجالًا قدامى من عهد عبدالله ما زالوا ثابتين لا ينتظرون الفراغ ليبيعوا خبرتهم لمن يدفع أكثر.

ورأى أن البنية التي ورثها من صفية وسعيد وعبدالملك وعبدالله ما تزال تعمل، وأن الدولة —على حب الناس له— ليست جسد رجلٍ واحد فقط.

وهذا طمأنه، لكنه أخافه من جهة أخرى.

قال في ليلةٍ من ليالي مرضه لعمر، أو لمن كان قريبًا من هذا الموضع:

— أخاف أن يتعلق الناس بالرجل حتى ينسوا أن الله هو الذي يبقي المعاني بعد الرجال.

فقال عمر:

— لكنهم يحبونك.

فقال أسد الإسلام:

— ولهذا أخاف أكثر.

ثم سكت، وأضاف:

— الحب إذا لم يُردّ إلى الله والحق قد يفسد حتى القلوب الصالحة.

وكان هذا الكلام يخرج من رجلٍ لا يريد أن يستثمر مرضه في صناعة قداسة،

بل في صناعة وضوح.

وحين عافاه الله من ذلك المرض العابر، خرج إلى الناس لا خروج المنتصر على ضعفه فحسب،

بل خروج من عرف من نفسه شيئًا جديدًا:

أن الحكم نفسه لا يجوز أن يُبنى على طمأنينة الجسد،

بل على استعداد الروح للتسليم إذا جاء أوانه.