باب من الرواية

الباب الرابع: المرض العابر

الفصل الحادي والأربعون — أسد الإسلام في الميدان

ثم جاء المرض العابر.

وهنا يتبدى وجهٌ آخر من وجوه هذا العهد.

مرضُ الرجال الكبار لا يقاس دائمًا بطول مدته، بل بما يكشفه للناس عن مقدار تعلقهم بهم.

وحين ألمّ بأسد الإسلام وهنٌ واضح، أو حمى، أو تعبٌ اشتد عليه فترة ثم ارتدّ،

لم يكن الخوف في البلاد خوفًا على استمرار الإدارة وحدها،

بل خوفًا على معنىً أحبه الناس في هذا الرجل:

صفاؤه،

واتزانه،

وطريقته في أن يكون قويًا من غير خشونة زائدة،

وقريبًا من الدولة من غير أن يبتلعها حضوره.

كان الجنود يسألون عنه في الثغور،

وأهل القرى يدعون له في المساجد،

والنساء اللواتي عرفن أثر البيت كله في الداخل يرفعن له الدعاء كما يرفعنه للأبناء لا للحكام فقط،

وفي الحرمين أيضًا كان الاسم يمضي بين الدعوات على هيئة رجلٍ من هذا البيت ما زالت الأمة تحب أن يبقى.

وقال بعض الناس يومها:

— عجبًا… نحن نبكيه حيًا.

أن الناس بكوه حيًا، وليس البكاء على الأحياء أمرًا هيّنًا.

أما هو، فحين شعر أن الجسد يضعف قليلًا، لم يتصرف كمن أُصيب بنرجسية الوعكة فيجعل المرض مسرحًا لهيبة إضافية،

ولا كمن يخفيه حتى يفسد الأمر من وراء ظهر الدولة،

بل واجهه كما يواجه الرجال ما لا يحبونه:

بهدوء،

وترتيب،

ومراجعة.

خفف بعض حركته الظاهرة،

وزاد من إحكام المجلس،

وقرّب من ينبغي أن يقترب،

كأن المرض لم يكن عنده خبرًا عن الجسد وحده، بل سؤالًا عن الاستمرار.

وهذا هو ما جعل المرض نفسه يتحول عنده إلى درس، لا إلى توقف.