أن أسد الإسلام كان رجل زمن القلم بعد السيف.
وكان هذا هو الذي ميّزه عن عبدالملك وعبدالله من غير أن ينتقص منهما.
فعبدالملك حمل مرحلة الفتح بعد الفقد،
وعبدالله حمل مرحلة ترميم الدولة بعد التفجير وتثبيتها من جديد،
أما أسد الإسلام فقد دخل ببلاده طورًا جديدًا:
كيف تبقى الدولة عظيمة بعدما عرفت الفتح والدم والنجاة؟
كيف تمنع العظمة من أن تتحول إلى مرض؟
كيف تجعل النصر يثبت في الدواوين كما ثبت في السيوف؟
ولهذا صار مجلسه في بعض الأيام أشبه بمجلس قاضٍ ومهندس وراعٍ في وقتٍ واحد.
والثغور لا تُغفل،
لكن القوانين تُراجع،
والأوقاف تُحفظ،
والولاة يُسألون،
والنظام يُشدّ من حيث لا يراه الناس دائمًا في صورة البطولة.
وكان يقول لخاصته:
— لا يكفي أن نخيف خصومنا. أريد أيضًا أن يطمئن الناس أن الدولة إذا عظمت لا تأكلهم.
— السيف يفتح الباب أحيانًا، لكن القلم هو الذي يمنع الباب من أن ينغلق على أصابع الناس.
فحفظ عمر الجملة، لأنها كانت من الجمل التي تدخل التاريخ بصمتها قبل أن تدخل الكتب.
وفي هذا الطور بالذات بدأ الناس يشعرون أن عهد أسد الإسلام ليس تكرارًا لعهدي من سبقوه،
بل امتدادٌ واعٍ لهما.
يأخذ من عبدالملك هيبة الراية،
ومن عبدالله صبر النظام،
ثم يضيف إليهما هذا الميل الأشد إلى تثبيت البنية قبل الإمعان في التوسع.