باب من الرواية

الباب الثاني: الفتح اللامع

الفصل الحادي والأربعون — أسد الإسلام في الميدان

ثم جاء الفتح اللامع.

ثبتت الرايات،

وتقدمت الحدود أو النفوذ على نحوٍ بيّن،

ورأى الناس أن الدولة لم تدخل في عهد أسد الإسلام طور السكون الذي يسبق الذبول، بل طور العظمة التي تعرف كيف تُثبت نفسها من غير أن تصرخ.

ولم يكن اللمعان هنا لمعان الضجيج.

بل لمعان الهيبة المنضبطة.

تحركت الجيوش بحساب،

وثبتت الخطوط الخلفية،

وحُفظت البلاد من أن تفرغ من الداخل في سبيل صورة نصر خارجي،

وجرى كل ذلك والرجل في قلب الميدان لا على طرفه.

كان الجنود يقولون بعد عودتهم من بعض تلك الحملات إن أسد الإسلام لا يشبه القادة الذين يقفون بعيدًا ثم يكتبون التاريخ على ظهور الآخرين.

كان قريبًا بما يكفي ليُرى حين تشتد اللحظة،

وبعيدًا بما يكفي ليترك لكل قائدٍ موضعه فلا يفسد التدبير بهيبة الاسم.

وهذا توازن لا يتقنه إلا من شرب معنى الدولة من مدرسةٍ طويلة، لا من ساحة بطولة مفردة.

وفي إحدى الوقائع، اضطربت مقدمة الصف ساعةً، لا انهيارًا لكن رجفةً تعرفها الجيوش حين تختلط المفاجأة بسرعة الحدث.

فلم يندفع أسد الإسلام اندفاع المتهورين ليُثبت أنه أشجع الناس،

ولم يتراجع تراجع من يخاف أن يُمس اسمه بخطر،

بل تقدم إلى الموضع الذي يكفي حضوره فيه أن يثبت الوجوه،

ونادى بما يردّ الرجال إلى مكانهم لا بما يزيد الدم اضطرابًا،

ثم ترك للقادة ما ينبغي أن يفعلوه.

وبعد الظفر قال لبعض خاصته:

— الشجاعة ليست أن أسبق كل رجلٍ إلى السيف. الشجاعة أن أعرف أين يجب أن أكون حتى لا يختلّ الصف.

وكانت هذه الجملة تلخص عهده في الميدان كله.

وهكذا لمع الفتح في أيامه، لا لأنه أكثر الرايات عددًا فقط، بل لأنه أعطى الناس ذلك الشعور النادر:

أن الدولة في يد رجلٍ لا يعبث به النصر.

وهذا من أثمن أنواع الظفر.