لم يكن أسد الإسلام حين دخل أوائل ميادين حكمه في حاجةٍ إلى أن يقول للعالم: أنا ابن عبدالملك.
كان يعرف أن الاسم يسير أمامه، نعم، لكنه كان يعرف أيضًا أن الأسماء الكبيرة إذا اكتفى أصحابها بها صارت سجنًا لا جسرًا.
ولهذا دخل الميدان لا على هيئة الفتى الذي يريد أن ينتزع لنفسه بطولةً جديدة من ظل أبيه، ولا على هيئة الوارث الذي يكتفي أن يكرّر هيبة من سبقوه، بل على هيئة رجلٍ يعرف أن أول ما ينبغي أن يثبته هو أنه لا يحتاج أن يصرخ باسمه ليُسمع.
وكان في هذا ما جعل الجند يرتاحون له سريعًا.
فقد رأوا فيه شيئًا من عبدالملك من جهة الوقار، وشيئًا من عبدالله من جهة الصلابة، لكنهم رأوا أيضًا شخصه هو؛ ذلك النوع من القادة الذين لا يشتعلون بالكلام أولًا، بل بالحضور.
إذا وقف في أول الصف، لم يشعروا أنهم أمام ممثلٍ لدولة، بل أمام رجلٍ يعرف وزن الوقفة.
وإذا تكلم، لم يكثر الجمل التي ترفع الدم ثم تتركه بلا اتجاه، بل كان يقول ما يكفي ليشد القلب إلى موضعه، ثم يترك الفعل يكمل الباقي.
وكانت أولى حملاته في عهده محسوبة، لا مرتجفة ولا مستعرضة.
لا يريد أن يظهر أنه أقل من آبائه في الفتح،
ولا يريد أيضًا أن يبرهن على نفسه بإلقاء البلاد في مغامرةٍ تتغذى على الحماسة أكثر مما تتغذى على الحكمة.
ولهذا راجع الثغور بنفسه،
ونزل إلى الرجال،
وسأل عن العدة والزاد والطريق والماء والبدائل،
وسأل كذلك —وهذا ما ورثه من خط صفية وسعيد جميعًا— عن القرى التي سيمرّ بها الجيش، وعن البيوت التي قد تتضرر، وعن الأوقاف التي ينبغي ألّا تُستنزف في استعراضٍ عسكري فارغ.
قال له أحد القادة يومًا، يريد أن يغريه بما تحبّه آذان الحكام الشبان:
— الناس تنتظر منك فتحًا يليق باسمك.
فنظر إليه أسد الإسلام لحظة، ثم قال:
— بل أنتظر أنا فتحًا لا يخذل من وراءه.
وكانت الجملة كافية لتفهم النخبة العسكرية أن هذا الرجل لا يقيس المعركة بما يقيسها المتحمسون وحدهم، بل بما يبقى بعدها.