لم يفرح أسد الإسلام يوم الجلوس فرح من نال مقعدًا طالما حلم به.
بل شعر —كما ينبغي للرجل الذي رُبّي هكذا— أن الحكم أُنزِل على كتفيه لا رُفع به فوق الناس.
كان يعرف أن بين يديه دولتين في آنٍ واحد:
الدولة الظاهرة بما فيها من حدود وثغور وولايات وجيش وقانون،
والدولة الخفية بما فيها من أسماء صفية، ووقفها، وخوف الأرامل، وذاكرة المقابر، وعيون البنات، والرجال الذين يموتون وهم يظنون أن الحاكم يعرف وجوههم.
وكان يعرف أن خطأه اليوم لن يُحسب على شابٍ واحد،
بل على السلسلة كلها.
بعد المجلس، حين خلا بنفسه قليلًا، لم يفعل ما يفعله بعض الملوك الصغار من تأمل ثيابهم الجديدة أو فرحهم بانتقال الاسم إليهم.
بل جلس أمام الأوراق، كما جلس قبله سعيد وعبدالملك وعبدالله،
وشعر أن البيت كله دخل معه.
قال في سرّه:
— كيف يحمل رجلٌ واحد كل هؤلاء؟
ثم تذكر جده الشهيد، وعمه الذي خرج من التفجير لا من ورش الهدوء، وجدته صفية، وأباه عبدالملك، فعرف أن الجواب ليس أن يحملهم وحده،
بل أن لا ينسى أن الحكم أمانة بيتٍ كامل، كما ثبت في تكوينه من أول الأمر.