الناس في الدول الكبيرة لا يحبون ابن الشهيد طويلًا إذا لم يجدوا فيه شيئًا يخصه.
وقد يهابون الاسم،
وقد يحترمون الدم،
لكن الحب الحقيقي لا يثبت إلا إذا وجدوا في الرجل نفسه ما يدعو إليه.
وقد أحب الناس أسد الإسلام من جهاتٍ عدة.
أحبوا فيه أنه لا يستعرض يتمه.
وأحبوا فيه أنه لا يرفع اسم أبيه كما يرفع بعض الورثة الأعلام فوق خوائهم.
وأحبوا فيه وقارًا لا يحتاج إلى تكلف،
وحذرًا لا يشبه الجبن،
وحزمًا لا يشتد حتى يصير قسوةً باردة.
كان يدخل المجلس فيُرى لا لأنه يطلب أن يُرى،
ويخرج منه وقد ترك أثرًا لا ضجيجًا.
وكان إذا نزل إلى الثغر لم ينزل على هيئة الزائر المتأنق، بل على هيئة من يعرف أن العيون هناك تقرأ الرجل من وقفته أمام الريح أكثر مما تقرؤه من ثيابه.
وفي إحدى الزيارات، وقف مع الجنود بعد مغيب الشمس، والطعام الذي قُدم لم يكن فاخرًا، والبرد شديدًا، وبعض من حوله حاول أن ينقله إلى موضع أدفأ يليق باسمه، فقال:
— إذا كان الرجال يبيتون هنا، فلا أريد لنفسي موضعًا آخر الليلة.
وكانت الجملة بسيطة، لكنها خرجت من فمه على صورةٍ جعلت الرجال يتناقلونها بعد ذلك لا بوصفها بطولةً مسرحية، بل علامة:
أن هذا الشاب ليس زينة مجلس.