باب من الرواية

الباب الرابع: السنوات الأخيرة من عهد عبدالله… الولادة الصامتة

الفصل الأربعون — أسد الإسلام

ولم يكن هذا التخفيف انسحابًا عاطفيًا من رجلٍ تعب ويريد الراحة،

بل عملًا من أدق ما يفعله الحكام العقلاء:

أن يبدأوا في إظهار من بعدهم قبل أن يغيبوا،

حتى لا تأتي الدولة يوم الانتقال وكأنها قفزت من جرفٍ إلى جرف.

في تلك السنوات، رأى الناس أسد الإسلام في مواضع لم يألفوا رؤيته فيها من قبل:

ملفٍّ من ملفات الإقليم،

ومجلسٍ مع رجال الثغور،

وزيارةٍ لولايةٍ تحتاج عين الحاكم المقبلة،

وتوقيعٍ لا على أمرٍ أكبر من سنه، بل على ما يكفي ليُختبر.

وكان عبدالله يتعمد ألّا يدفعه إلى الواجهة دفعةً واحدة،

لأن الدفع السريع يفسد كما يفسد الإخفاء الطويل.

بل كان يخرجه على مهل،

حتى إذا التفت الناس إليه لم يقولوا:

هذا فتىً يحمله اسمه،

بل يقولوا:

وكان عمر بن عبدالله في الجهة الأخرى يخرج كذلك، لكن في موضعه الذي يناسبه.

ولهذا حين بدأ أسد الإسلام يقترب من الحكم، لم يقترب منه كمن خُطف إليه فجأة،

بل كمن كان يمشي نحوه من سنوات،

حتى صار انتقاله طبيعيًا في عين العقلاء،

مع أنه بقي مهيبًا في عين من يعرف ثقل هذا البيت.