ولو وقف الأمر عند الأب والعم فقط، لكان أسد الإسلام رجلَ دولةٍ وميدان، نعم، لكنه لم يكن ليخرج بذلك التوازن النادر الذي جعله محبوبًا وهيبًا في آن.
ذلك “الخيط الخفي الذي يجعل الحكم عنده أمانة بيتٍ كامل لا مجد فردٍ واحد.”
وقد ورث هذا من غير أن يجلس طويلًا عند صفية في أعمارها الأخيرة كما جلس غيره.
ورثه من جو البيت كله،
من الدفاتر التي كانت تُفتح لأجل الأرامل،
ومن أسماء القرى التي كانت تتردد في المجالس،
ومن شعور البنين والبنات جميعًا أن البيت لا يوجد فوق الناس، بل بينهم،
ومن الطريقة التي مات بها الكبار:
لا وهم يجمعون الذهب،
بل وهم في قلب الحكم والوقف والثغر.
ولهذا، كان أسد الإسلام إذا سمع المدح، ارتبك قليلًا.
لا ارتباكَ ضعف،
بل ارتباكَ رجلٍ يعرف أن وراءه مقابر لا تسمح له أن يزهو طويلًا.
وكان إذا دخل مجلسًا يخص الناس لا القادة فقط،
يسأل عن الأشياء التي تبدو صغيرة:
الطعام،
الطريق،
الماء،
الوقف،
الصغار،
عدد الغائبين عن الحلقة،
حال النساء عند المصيبة.
فيضحك بعض الجهال من هذا أول الأمر، ثم يفهمون بعد حين أنه لا يسأل هذه الأشياء تزيينًا،
بل لأنه شرب من صفية وسعيد ما يجعل الحكم عنده نسيجًا كاملًا.
وفي هذا بالذات كان الفرق بينه وبين أبناء البيوت التي لا تورث إلا القوة الجافة.
لقد ورث المعنى،
ولهذا لم يبدُ في الناس وارثًا فقط، بل امتدادًا حيًا لما سبق.