كان في وجه أسد الإسلام شيءٌ من عبدالملك لا يخطئه من عرف الأب.
ليس فقط في قسماتٍ قد تتكرر بالوراثة،
كان إذا دخل مجلسًا لم يحتج إلى كثير حركةٍ ليُرى،
وإذا سكت لم يكن سكوته فراغًا،
وإذا تكلم خرجت من كلامه رائحة الرجل الذي تعلم أن يزن الأثر لا الصدى.
لكن الذي أكمل هذا فيه لم يكن دم عبدالملك وحده،
بل عين عبدالله.
فعبدالله لم يربّه على صورة الأب الشهيد فقط، بل على صورة الرجل الذي نجا وحمل.
بل صلابة الرجل الذي رأى دولته في الركام، ثم أعاد جمعها حجرًا حجرًا من غير أن يحول ثأره إلى عمى.
كان عبدالله إذا خرج به إلى بعض النواحي لا يكثر الوعظ.
لقد تعلم من السنين أن الرجال لا تُصنع بالخطب وحدها، بل بالصحبة المقاسة في الموضع الصحيح.
فيقف معه على الثغر،
ثم يسأله بعد رجوعهما:
— ماذا رأيت؟
فإن أجاب الفتى عن السور والعدد والعدة فقط، عرف أنه ما زال في أول الطريق.
وإن أجاب عن السور والعدة والناس والخبز والقلق في وجوه الجنود، عرف أنه بدأ يرى.
وفي مرةٍ من المرات، بعد جولةٍ طويلة في ناحية من النواحي، قال عبدالله لأسد الإسلام:
— لا أريدك أن تحفظ الطرق وحدها.
فقال الفتى:
— وماذا أحفظ أيضًا؟
قال:
— مواضع الضعف في البشر.
ثم أضاف:
— لأن البلاد لا تسقط من الحجارة أولًا… تسقط من النفوس إذا فُتحت لها الشقوق.
وكان هذا من الكلام الذي يزرع رجلًا لا مجرّد مقاتل.