لم يكن أسد الإسلام من أولئك الأبناء الذين تبتلعهم الكارثة فيكبرون داخلها حتى تصير هويتهم كلها:
ابن الشهيد،
وابن التفجير،
وابن اليوم المشؤوم.
صحيح أن الدم دخل حياته من باب الأب قبل أن ينضج تمامًا،
وصحيح أن صور عبدالملك وهو خارج إلى الدولة ثم غائبٌ عنها في لحظة واحدة بقيت في قلبه جرحًا لا يلتئم كما يلتئم ما دونه،
لكن البيت لم يتركه يسكن هذا الجرح وحده حتى يصير شخصيته كلها.
لقد كان عبدالله —بفطنته التي صقلتها النار— يعرف أن أخطر ما يمكن أن يقع لولد عبدالملك ليس أن يضعف،
بل أن يختصر نفسه في كونه ابن المقتول العظيم.
فهذا النوع من الأبناء قد يكبر وهو يظن أن الدم يكفيه،
أو أن الناس ستصنع له هيبةً من القبور،
أو أن الحزن نفسه شهادةُ استحقاق.
وكان عبدالله يكره هذا كراهية من رأى كيف تنهار البيوت الكبيرة إذا ربّت أبناءها على أمجاد الماضين بدل أن تدفعهم إلى استحقاق جديد.
ولهذا لم يترك أسد الإسلام في حظيرة العزاء الطويل.
لم يقل له: ابكِ حتى تكبر،
ولا قال: أنت أحق الناس أن يُعفى من التكاليف لأن أباك مضى.
بل بدأ يفعل به الفعل الأصعب:
ينتزع من يديه سلاح الشفقة،
ويعطيه بدلًا منه عبء المعنى.
كان إذا دخل عليه ورأى في عينيه الوجع، لم ينكره،
لكنّه كان يضيف إليه دائمًا بابًا آخر:
تعالَ إلى المجلس.
تعالَ إلى الثغر.
تعالَ إلى ملفات الأرض.
تعالَ لترى كيف تُحمل البلاد بعد الدم، لا كيف يُبكى الدم فقط.
وهكذا كبر أسد الإسلام لا في ظل مأساةٍ مجردة،
بل في ظل مدرسة دولة.