من المجالس التي لا ينساها البيت بعد الكارثة، مجلسٌ قصير جمع عبدالملك بعبدالله قبل اليوم المشؤوم بوقتٍ قريب.
لم يكن مجلس وصايا صريحة،
ولا شعورٌ مُعلَن بأن الموت قريب،
لكنه كان واحدًا من تلك المجالس التي إذا استعادها الناجون بعد ذلك قالوا:
كان في الكلام يومها ما لم نفهمه كاملًا إلا متأخرًا.
قال عبدالملك لأخيه:
— إذا طال الطريق بالرجال، فربما يأتي يوم يحتاج فيه البيت أن تحمل ما لم ترد حمله.
فقال عبدالله وهو يظن أنها حكمة عامة في الثغور:
— ونحن لهذا نُربّى.
فقال عبدالملك:
— نعم… لكن بين أن يُقال هذا في التربية، وبين أن يقع في الحقيقة فرقٌ يثقب القلب.
فسكت عبدالله، وارتسم على وجهه ذلك الجِد الذي كان يشتد فيه كلما اقترب من أمرٍ عظيم.
ثم قال:
— إن وقع، فلن نسقط.
فنظر إليه عبدالملك طويلًا، وقال:
— أعرف. ولهذا أنا مطمئن من جهتك أكثر مما أُظهر.
وكانت الجملة نفسها ثقيلة.
لكن الرجلين لم يكونا ممن يكثرون من الكلام إذا اقتربت الحقائق.
ولذلك بقي كثير من هذا المجلس ساكنًا بينهما، ثم حملته الأيام بعد ذلك إلى معنى آخر.