من أشد ما يوجع في الطريق إلى اليوم المشؤوم أن البيت اجتمع فيه على هيئةٍ كاملة أكثر من مرة.
لا لشيءٍ خارق في ظاهره،
بل لأن الأيام الأخيرة قبل الكارثة حملت عددًا من المجالس والأوقات التي بدا فيها كل شيءٍ مكتملاً على نحوٍ يوجع إذا تذكره الناجون بعد ذلك.
في إحدى تلك الأمسيات، اجتمع عبدالملك، وصفية، وسعيد، وعبدالله، وبعض النساء، ومرّ ذكر أحمد من مكة ومحمد من المدينة، وكانت فاطمة قد جاءت في زيارةٍ أو خبرها حاضر، وأطفال الجيل الجديد يملأون الأطراف.
كان في الجو شيءٌ من الرضا،
لكن الرضا هنا لم يكن سذاجةً فارغة،
بل ذلك الرضا الذي يزور البيوت العظيمة أحيانًا قبل أن تُبتلى بابتلاءٍ يزيدها صدقًا.
نظر سعيد إلى عبدالملك وقال:
— أرى فيك اليوم هدوءًا لم أره من قبل.
فقال عبدالملك:
— لأني تعبت من أن أريد من الأيام ما لا تعطيه.
فضحك سعيد ضحكةً قصيرة وقال:
— إذن بدأتَ تكبر حقًا.
وقالت صفية وهي تنظر إلى الجميع:
— لعلنا نحتاج أن نجتمع هكذا أكثر.
فأجابها عبدالله من حيث لا يدري ما تحمل الجملة من غيب:
— نعم… بعض المجالس لا ينبغي أن تُؤجَّل.
وسكتوا بعدها قليلًا، وكان السكون نفسه ممتلئًا.
لو أن أحدًا من الغرباء رآهم لقال:
هذا بيتٌ قويّ،
متماسك،
ممتلئ بالأدوار والرجال والنساء والجيل الجديد.
وهذا صحيح.
لكنه لم يكن ليرى ما كانت القلوب الأعمق تشعر به من رقةٍ لا تفسير لها.