كانت صفية، بعد كل ما مرت به، قد صارت من النساء اللواتي لا يحتجن إلى دليلٍ كامل حتى يحسسن باقتراب شيءٍ ثقيل.
ليس هذا ادعاء غيب،
ولا تعلقًا بالخرافة،
بل هو أثر العمر الطويل حين يمرّ على القلب بما يكفي ليصير أشد حساسية لتحولات الجو الإنساني.
كانت ترى عبدالملك في هذا الطور، فتعرف أنه اشتد أكثر مما ينبغي للفتى الذي ولدته.
وترى سعيدًا، فتشعر أن الشيخ المؤسس ما يزال واقفًا، لكنه يقف كما يقف الذين فرغوا تقريبًا مما عليهم ويريدون أن يطمئنوا قبل أن يمضوا.
وترى عبدالله، فتعرف أن الأيام تعدّه لشيءٍ أكبر من أن يكون مجرد أخٍ في الخلف.
وترى أسد الإسلام في وجه أبيه، وترى عمر بن عبدالله في ملامح السلسلة التي لا تريد أن تنقطع.
وفي بعض الليالي كانت تقوم من نومها، وتمشي في البيت الواسع، وتدخل على الغرف واحدةً واحدة، لا لأن شيئًا وقع، بل لأنها تريد أن ترى الوجوه النائمة.
تدخل على البنات،
ثم على الصغار،
ثم تمر من الموضع الذي جلس فيه سعيد نهارًا،
ثم تقف عند مصباحٍ لم يُطفأ في مجلس عبدالملك،
فتشعر أن البيت كله في حالة امتلاءٍ غريب.
وكانت هذه الجولات الليلية من أصدق ما يفعله الخائفون على ما يحبون:
أن يتأكدوا من وجوده بأعينهم، ولو كان موجودًا في قلوبهم منذ البداية.
قالت لها أمامة مرةً وقد رأتها في مثل هذه الجولة:
— أأنتِ بخير؟
فأجابت بعد ترددٍ قصير:
— نعم… لكن قلبي كثير الالتفات هذه الأيام.
فسكتت أمامة، لأنها كانت من النساء اللواتي يحترمن إحساس الكبار إذا جاء بصيغةٍ لا تشرح نفسها.