مع أن الدولة كانت قد اتسعت، ومع أن عبدالملك ثبت، ومع أن عبدالله صار أهلًا للثغر، فإن سعيدًا لم يرضَ لنفسه أن يتحول إلى شيخٍ يُحفظ في صدر المجلس فقط.
كان يعرف أن عمر التأسيس لا يسقط بالتقاعد العاطفي،
وأن الرجل إذا بقيت فيه بقيةٌ من نور الواجب ثم اعتزلها خوفًا على جسده وحده، نقص من نفسه شيء لا يراه الناس فورًا.
ولذلك عاد في هذا الطور إلى حضورٍ ميداني أقرب إلى الاستشارة العليا المصحوبة بالعين المباشرة.
لم يعد هو القائد الأول كما كان في شبابه،
لكن رأيه في الخرائط،
وفي الرجال،
وفي مكر الخصوم،
وفي ما ينبغي أن يُفعل إذا اختلطت السياسة بالثغر،
كان ما يزال أثقل من أن يُستغنى عنه.
وهذا ما جعل وجوده مع عبدالملك وصفية في تلك الأيام من أعظم ما يملأ الصورة —وأخطر ما يجعل الفقد القادم أعنف.
وكانت صفية تنظر إليه أحيانًا فتجد فيه من الشبه بتقي الدين في أواخر أيامه شيئًا يقلقها:
ذلك النوع من السكينة التي لا تشبه الراحة،
بل تشبه من يرى الطريق أوضح من قبل،
ويخف عنده الخوف من نفسه،
ويكثر خوفه على الرسالة فقط.
قالت له مرةً وهما في طرف البيت بعد صلاةٍ طويلة:
— لو بقيتَ أكثر في الداخل هذه الأيام لكان قلبي أهدأ.
فنظر إليها طويلًا، ولم يجب مباشرةً.
ثم قال:
— لو فعلتُ ذلك وأنا أرى الحاجة، لما رضيتِ عني أنتِ أولًا.
فابتسمت ابتسامةً فيها مرارة الرضا، وقالت:
— نعم.
ثم أضافت:
— لكني مع ذلك أرجو.
فقال:
— وأنا أيضًا.
وكان هذا من الحوارات التي لا تمنع القدر، لكنها تهيئ القلب له.