في هذه المرحلة، لم يعد عبدالملك يثبت نفسه لأحد.
لا لأهل البلاد،
ولا للخصوم،
ولا لاسم أبيه وأمه.
كان قد جاوز هذا الطور من زمان.
وصار خوفه الحقيقي من شيءٍ آخر:
أن يخذل ما بين يديه.
وقد أثبتت السنوات السابقة أنه لا يحمل الحكم بروح الفتى الذي يحب أن يُرى، بل بروح من عرف الدم، وحمل المقابر، وخرج إلى الفتح بعد الفقد لا قبله.
ولهذا صار أكثر ميلًا إلى تقليل الكلام في المجالس الكبرى، وأكثر ميلًا إلى الخلوة القصيرة قبل القرارات الكبيرة، وأكثر نفورًا من المدائح التي تأتيه في أوقات الظفر.
وكان أهل البلاد يرونه في هذه المرحلة على صورةٍ مخصوصة:
ليس فقط ملكًا فاتحًا،
بل رجلًا إذا دخل مجلسًا شعرت أن البلاد كلها تدخل معه،
وإذا سكت، أحسست أن صمته ليس فراغًا، بل وزن.
حتى خصومه صاروا يعرفون أن ضربه مباشرةً في الميدان أصعب من أن يُجازفوا به على غير حساب، فبدأت عيونهم تتحول إلى طرقٍ أخرى:
الاستدراج،
والمكر،
والتفجير لا المواجهة.
لكن عبدالملك، على رغم قوة حدسه في الرجال والحدود، لم يكن يملك أن يرى كل ما يُدبَّر في زوايا العالم.
وهذا من سنن الحياة:
أن الرجل العظيم قد يرى الظاهر ببصيرة،
لكن الغيب لا يكشف له كله حتى يبقى عبدًا لا إلهًا.