لم يكن الطريق إلى اليوم المشؤوم طريقًا مفاجئًا في حسّ الأرواح العميقة، وإن جاء في ظاهر السياسة على صورة ضربةٍ مباغتة.
فبعض الكوارث لا تبدأ عند الانفجار،
بل تبدأ حين يتغير شكل السكون في البيت،
حين تصير المجالس أكثر اكتمالًا من المعتاد حتى كأنها تودع نفسها،
وحين يزداد النصر من الخارج، لكن القلب في الداخل لا يطمئن إليه تمامًا،
وحين يكثر حضور الوجوه الكريمة في موضعٍ واحد حتى يخاف من يعرف السنن أن يكون اكتمال الصورة بشير انتقالها.
وكان بيت صفية يومها في ذروةٍ نادرة:
عبدالملك في الحكم والفتح،
سعيد ما يزال قائمًا كشيخ المؤسسين وموضع المشورة التي لا يُستغنى عنها،
صفية ما تزال روح الداخل،
عبدالله صار ضلعًا واضحًا في الثغر والقرار،
أحمد في مكة،
ومحمد في المدينة،
وفاطمة قد خرجت إلى باب التحالف الشريف،
والأبناء الجدد —أسد الإسلام وعمر بن عبدالله ومن في طبقتهم— بدأوا يدخلون طور الظهور.
ولذلك لم يكن اليوم المشؤوم يقترب من بيتٍ يوشك على الانطفاء، بل من بيتٍ بلغ اكتماله المؤلم.
وكانت صفية تشعر بهذا على نحوٍ لا تحسنه اللغة السياسية.
لا تقول: ثمة مؤامرة محددة هنا أو هناك فقط،
بل تقول في سرها:
البيت ممتلئ أكثر من اللازم.
والممتلئ في دنيا الفناء يخاف عليه القلب من جهة لا يفهمها دائمًا.
في إحدى الليالي، بعد مجلسٍ طويل عاد فيه عبدالملك من شأن ثغر، ودخل سعيد بعده بوقتٍ قصير، وكان عبدالله حاضرًا، وجلس الثلاثة يتكلمون في أمور البلاد، بينما مرّ من الجهة الأخرى صوت فاطمة الصغيرة وضحك بعض البنات، ثم ورد خبرٌ حسن من مكة عن أحمد، ورسالة من المدينة عن محمد؛ عندها وقفت صفية عند الباب لحظةً، ونظرت إلى المشهد كله، ثم أحست بخفقةٍ غريبة.
قالت لنفسها:
— كأن البيت اجتمع اليوم على صورةٍ لا تتكرر كثيرًا.
ولم تزد.
لكن القلب حفظ الجملة.