باب من الرواية

الباب التاسع: القرآن عند سريرها

الفصل الثالث والثلاثون — الأم التي ربّت صفية

مع مرور الأيام، اشتدّ ضعف المرأة.

ولم يكن ضعفًا مفاجئًا، بل انطفاءً تدريجيًا يشبه حال من استُهلكت روحه طويلًا ثم وُضعت أخيرًا في موضعٍ آمن، فبدأ الجسد يتخفف لأنه لم يعد يحتاج إلى الدفاع.

وكانت النساء في البيت يأتينها،

وتجلس عندها إحداهن،

ويُقرأ عندها القرآن،

ويُذكّرها من يلزم بالله برفق،

ويُهيأ لها كل ما يليق بإنسانٍ في آخر العمر لا بامرأةٍ فحسب.

وفي بعض الليالي، كانت تسمع صوت التلاوة من طرف بيت صفية، فتغلق عينيها، وكأن الآيات تمرّ على عمرها كله لا على سمعها فقط.

وقد لا يكون الناس كلهم سواء في باب التوبة واليقين، لكن للقرآن قدرةً عجيبة على أن يعيد ترتيب الخوف داخل المحتضر.

وفي إحدى الليالي، دخلت عليها صفية فوجدتها تستمع إلى التلاوة وعيناها مفتوحتان على السقف.

قالت المرأة:

— كنت أظن أنني سأموت في ذلك البيت.

فقالت صفية:

— وأنا لم أرد ذلك.

فسألتها:

— لِمَ؟

فقالت صفية:

— لأنكِ مهما كنتِ، لم أُرِد أن يكون آخر ما يراكِ الله عليه هو الخوف القديم وحده.

فهنا انكسرت المرأة، لا بكاءً صاخبًا، بل دموعًا خرجت بصمت.

وقالت:

— لا أعرف بماذا أجيبك.

فقالت صفية الجملة نفسها التي كانت أوسع من كل الكلام:

— الله أعلم بنا جميعًا.