لم ترسل صفية في طلبها أمرًا سلطانيًا،
ولم تقل: أحضروها للمحاسبة.
ولم تقل أيضًا: اتركوها لشأنها، فقد مضى كل شيء.
بل أرسلت دعوةً هادئة،
دعوةً لا تتذلل،
ولا تهدد،
ولا تعتذر عن القوة،
ولا تستعرض فضل الرحمة.
وحين بلغ الخبر المرأة، لم يكن وقعُه عليها مثل وقع التهديدات الصريحة.
فبعض الناس إذا قيل لهم: تعالَ إلى من ظلمتَه، لا يخافون الضرب أولًا، بل يخافون النظر.
كيف ستقف أمامها؟
بأي وجه؟
بالاسم الذي عاشت عليه في البيت: سارة؟
أم بالاسم الذي خرج الآن من الغيب إلى الدنيا: صفية؟
وبأي صفة؟
صفة الأم؟
أم صفة الشاهدة على السرقة؟
أم صفة المرأة الضعيفة التي حملت من الذنب بقدر ما حملت من الخوف؟
دخلت على صفية لا دخول أهل البيوت الآمنة،
بل دخول من جاء إلى محكمة نفسه قبل محكمة الناس.
كانت السنوات قد أكلت من وجهها كثيرًا،
وصارت أهدأ من جهة العجز،
وأشد هشاشة من جهة العمر،
وقفت أمام صفية.
ولم تقل صفية أولًا: اجلسي.
ولم تقل: لماذا فعلتِ؟
ولم تقل: أنا صفية، كما قالتها يوم وقفت على باب مريم.
بل نظرت إليها طويلًا.
وكانت تلك النظرة نفسها أثقل من كثير من الكلام.
فيها الطفلة التي كانت تُنادى باسمٍ غير اسمها،
وفيها المرأة التي عرفت الحقيقة،
وفيها الحاكمة التي تستطيع أن تأمر،
وفيها الجريحة التي لا تريد أن تُكذِّب جرحها.
أما المرأة فخفضت رأسها.
لم تحسن الدفاع،
ولم تستطع أن تبدأ بالاعتذار،
لأن بعض الذنوب إذا طال بها الزمن صارت الكلمات أصغر من أن تحملها.
ثم قالت أخيرًا بصوتٍ متهدج:
— كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي… لكنني لم أكن أعرف هل سأحتمله.
فقالت صفية، بعد صمتٍ طويل:
— وأنا كنت أعلم أن هذا الوجه سيقف أمامي يومًا… ولم أكن أعرف أيضًا كيف سأراه.
وساد بينهما صمتٌ آخر، لكنه كان هذه المرة صمت مسافةٍ كاملة من العمر.
ثم قالت المرأة، وقد بقي رأسها منخفضًا:
— لا أملك ما أقوله…
فقالت صفية:
— أعرف.
— ولا أستطيع أن أدّعي أنني كنت بريئة.
— أعرف.
— ولا أطلب أن تسامحيني كما لو أن شيئًا لم يكن.
فرفعت صفية يدها قليلًا، كأنها توقف عنها سيلًا لا فائدة من إتمامه، ثم قالت الجملة التي اختصرت كل المجلس:
— الله أعلم بنا جميعًا.