باب من الرواية

الباب الرابع: القرار

الفصل الثالث والثلاثون — الأم التي ربّت صفية

بعد هذا اللقاء، لم تتركها صفية تمضي إلى بيتها القديم.

قالت لها فقط:

— ستأتين معي.

رفعت المرأة رأسها مذعورة، لا لأنها خافت العقوبة هذه المرة، بل لأنها لم تفهم الرحمة.

سألت كأن اللغة نفسها غريبة عليها:

— إلى أين؟

قالت صفية:

— إلى البوسنة.

وبقيت تحدق فيها كأنها لا تصدق أن الجملة خرجت هكذا.

فلم يكن في نبرة صفية عطفٌ مستعرض،

ولا شفقةٌ تُذل،

ولا رغبةٌ في أن تظهر أمام نفسها بمظهر القديسة التي سامحت كل شيء،

بل كان في صوتها قرار.

قرار امرأةٍ نضجت بما يكفي لتعرف أن الماضي لا يُمحى، لكنه لا يُدار دائمًا بالسياط أيضًا.

ولم تكن صفية تريد بجلبها إلى البوسنة أن تعيد كتابة الماضي،

ولا أن تزيل الجريمة،

ولا أن تزاحم مريم وفاطمة في مواضعهما من قلبها، فهذا مستحيل وهي أعمق من أن تكذب على نفسها.

لكنها أرادت شيئًا آخر:

أما المرأة، فلم تستطع الرد.

لم تقل: شكرًا.

ولم تقل: لا أستحق.

ولم تبكِ أولًا.

بل جلست كما يجلس من انكسر فيه شيءٌ ظل مشدودًا أربعين سنة.

ثم قالت بعد زمن:

— ولماذا؟

فنظرت إليها صفية وقالت:

— لأني لا أريد أن أترككِ هناك.

ولم تزد.

ولم تكن تحتاج إلى أكثر.