باب من الرواية

الباب الثاني: ما بقي من القرية

الفصل الثالث والثلاثون — الأم التي ربّت صفية

لم تكن صفية بحاجةٍ إلى كثير بحث لتعرف حال القرية القديمة.

لقد كان الزمن نفسه كفيلًا بأن يأكل منها ما يكفي.

البيت الأول تآكل.

العجوز مضى في ذنبه وانطوى.

الأخت الكبرى أكلها حقدها وفسادها من الداخل قبل الخارج.

كثير من وجوه الشر تفرّقوا في مصائرهم:

هذا سقط في فضيحة،

وهذا مات في ذل،

وهذه شاخت وهي تحمل في وجهها آثار السم الذي سكن قلبها.

ولم يبقَ من ذلك العالم القديم، على هيئةٍ إنسانية تستحق أن يُسأل عنها، إلا هذه المرأة.

كانت قد شاخت.

لم تعد تتحرك في البيت القديم بين الخوف والتستر كما كانت،

بل صارت هشة من جهة العمر،

صامتة من جهة التعب،

وفي وجهها من آثار السنين ما يفضح أن حياةً كاملةً عاشت تحت ثقل شيءٍ لم تقلْه للهواء، ولم تستطع أن تدفنه في التراب أيضًا.

وكانت صفية تعرف، حتى من غير أن تراها، أن السنين لا تخرج الناس من ذنوبهم بلا أثر.

قد لا يتوبون توبةً كاملة،

وقد لا يعترفون اعترافًا شافيًا،

لكن السر الذي يحمله الإنسان في صدره أربعين سنة لا يترك وجهه كما كان.

وسألت بعض من تثق بهم عن حالها، فجاءها الجواب على صورةٍ تؤكد ما كان في قلبها:

امرأةٌ في آخر العمر،

بيتٌ خرب،

ذلُّ الاعتماد على من لا يرحم،

ولا سند حقيقي،

ولا قوة على الهرب من الماضي ولا على إصلاحه.

هنا لم يتحرك قلب صفية شفقةً عمياء، بل تحرك ذلك النضج الذي لا يخلط بين الأشياء، لكنه أيضًا لا يقسو لأن في يده القدرة.

قالت لنفسها:

— ليست أمّي.

— وليست بريئة.

— لكن هل أتركها هناك لتغلق عليها القرية الباب الذي بدأ عندها بابي كله؟

وكان الجواب في سرّها قد اتخذ صورته بالفعل.