باب من الرواية

الباب الأول: السؤال الذي بقي في آخر القلب

الفصل الثالث والثلاثون — الأم التي ربّت صفية

مع مرور الأعوام، ومع اتساع الدولة، وتوالي الفتوح، وسقوط أركان الجيل الأول واحدًا بعد آخر، لم تنطفئ في قلب صفية كل الأسئلة القديمة.

لكنها تعلمت أن بعض الأسئلة لا يُفتح بابها في أول الطريق.

بعضها يحتاج أن تمر المرأة بالرؤى أولًا،

ثم بالمرض،

ثم بالعلاج،

ثم بلقاء أمها الحقيقية وأبيها،

ثم ببخارستان،

ثم بالبوسنة،

ثم بالأبناء،

ثم بالحكم،

ثم بالموت الذي يحصد الوجوه المؤسسة،

حتى إذا هدأت بعض العواصف الداخلية، ارتفع سؤالٌ من زاويةٍ بعيدة كانت الروح تؤجله لا لأنه غير مهم، بل لأنه شديد التعقيد.

ذلك السؤال كان:

وماذا عن المرأة التي ربّتني؟

لم يكن السؤال سؤال شوقٍ ساذج،

ولا سؤال عدالةٍ قانونية مجردة،

ولا سؤالًا عاطفيًا يريد أن يخلط كل شيءٍ في دمعةٍ واحدة،

بل كان سؤال امرأةٍ كبرت بما يكفي لتعرف أن البشر ليسوا طبقةً واحدة من السواد والبياض.

تعرف أن في الدنيا شياطينَ خالصين، نعم،

لكن فيها أيضًا ضعفاءَ خلطوا الذنب بالخوف،

والسكوت بالعجز،

والرعاية الناقصة بالمشاركة في الجريمة،

والحنوّ المتقطع بالاستسلام لمن هم أشرّ منهم.

وكانت صفية تعرف أن المرأة التي ربّتها ليست أمها، ولا صاحبة فضلٍ صافٍ عليها، ولا ضحيةً كاملة البراءة أيضًا.

تعرف أنها شاركت، وسكتت، وغطت، ورضيت ببقاء السر، وعاشت تحت سقف الذنب عقودًا.

لكنها تعرف أيضًا أنها لم تكن العجوز الأسود القلب الذي خطف ودبّر،

ولا الأخت الكبرى التي أكلها الحسد حتى صارت يدًا من أيدي الخراب،

ولا من الشياطين الصرحاء الذين تلذذوا بإفساد حياتها.

كانت شيئًا بين ذلك كله:

امرأةً ضعيفة،

مذعورة،

ناقصة،

ملتبسة الذنب،

ملتبسة الرحمة.

ولهذا لم يكن السؤال عند صفية:

هل هي بريئة؟

بل:

كيف يُحكَم على إنسانٍ حمل من الذنب بقدر، ومن الضعف بقدر، ومن الشفقة الناقصة بقدر، ثم بقي آخر العمر وحيدًا في بيتٍ تآكل؟

وهل يُترك هذا الإنسان ليموت في زوايا القرية نفسها التي شهدت السرقة والكتمان، لأننا نريد من العدالة أن تكون سكينًا لا بصيرة؟

وفي إحدى الليالي، بعد وفاة مريم بمدة، جلست صفية وحدها طويلًا، والبيت من حولها ساكن، وأصوات الأبناء والأحفاد خفتت في الغرف، وأوراق الحكم والوقف والقرى على الطاولة القريبة، لكنها لم تستطع أن تنظر إليها.

كان هناك وجهٌ آخر يلحّ عليها من وراء السنين:

وجه المرأة التي كانت تقول لها: يا سارة،

وتضبط لها ثوبها أحيانًا،

وتقسو أحيانًا،

وتحنو أحيانًا،

وتختبئ خلف خوفها كلما اقترب السر من باب الافتضاح.

فوضعت يدها على صدرها، وقالت لنفسها:

— لا يكتمل فهمي لنفسي ما لم أنظر يومًا في وجهها من آخر المسافة.

وهنا فقط عرفت أن الوقت قد جاء.