باب من الرواية

الباب الثامن: الفجر الأول بعد الولادة… حين بدا الموضع المؤقت وطنًا

الفصل الرابع والعشرون — ولادة فاطمة في البوسنة

مضت ساعات الليل المتبقية بين تعبٍ وهدوء وتثبيتٍ وترتيب ما يلزم.

وحين بدأ الفجر يظهر على أطراف السماء، كان شيءٌ في المكان قد تغيّر.

ليس لأن الخيام أو المواضع المؤقتة تحولت فجأةً إلى بيوتٍ من حجر،

ولا لأن المزرعة الكبرى قد رُسمت فعليًا على الأرض كلها،

بل لأن الولادة نفسها منحت المكان معنى الوطن.

فالأمكنة التي يولد فيها الأولاد لا تبقى مواضع عابرة في القلب.

خرج سعيد إلى الخارج مع الفجر، وصلى قريبًا من الموضع الذي اتفقوا أن يكون أول نواة المسجد فيه، ثم وقف ينظر إلى الأفق الطويل.

وجاءه تقي الدين بعد الصلاة، فقال له:

— كيف هي؟

قال:

— بخير.

— والبنت؟

— بخير.

فسكت تقي الدين لحظة، ثم قال:

— إذن فقد ثبتت أقدامنا هنا أكثر مما كنا نظن.

وكان محقًا.

فما قبل ولادة فاطمة كان يمكن لعقل الإنسان أن يسميه نزولًا أو انتقالًا.

أما بعدها، فقد صار البيت نفسه قد وضع بعض دمه في الأرض.

وفي الداخل، كانت مريم تنظر إلى حفيدتها الصغيرة، ثم إلى صفية، وتشعر أن التاريخ يعيد عليها درسًا آخر من دروس الله:

من المدينة خرجت صفية رضيعةً مسروقة،

وفي بخارستان خرج أول نسلها،

وفي البوسنة خرجت فاطمة لتختم مرحلة وتفتح أخرى.

قالت مريم لابنتها بصوتٍ خفيض:

— الآن صارت لكِ جذورٌ في الأرضين.

فقالت صفية وهي تمسح على وجه ابنتها:

— بل في القلوب أيضًا.