ثم جاءت اللحظة.
تلك اللحظة التي ينفلق فيها التعب عن صوت، ويتحول فيها الألم دفعةً واحدة إلى حياةٍ مرئية.
خرجت البنت، وملأت صرختها المكان.
ولم تكن صرختها يومئذٍ مجرد خبر ولادةٍ في مخيم انتقال، بل كانت كأنها إعلانٌ خفيٌّ تقول به البوسنة نفسها:
لقد دخلتم حقًا.
وضعتها النساء بين يدي صفية لحظةً، فنظرت إليها كما تنظر الأمهات إلى الوجوه الأولى الخارجة من الظلمة، لكن في نظرها هذه المرة معنى زائد:
هذه البنت لم تُولد في الطريق،
ولم تلحق بها البلاد على سبيل المصادفة،
بل اختارت —أو اختير لها— أن تكون أول بنتٍ للبيت ترى النور في البوسنة.
دخل سعيد بعد أن اطمأنّت النساء إلى موضعهن، ونظر إلى الصغيرة، ثم إلى صفية.
ولم يقل أول الأمر سوى:
— الحمد لله.
وكان الحمد هنا أكبر من كلمة.
كان شكرًا على سلامة الزوجة، وعلى تمام الرحلة، وعلى أن الله لم يجعل أول ليلة حقيقية في البوسنة ليل خوفٍ أو فقد.
ثم حمل الصغيرة، وأذّن في أذنها كما فعل مع إخوتها.
وكان صوته أهدأ من المرات السابقة، لكن فيه عمقًا أشد، كأن ما حمله من الطريق والمعنى أضاف إلى الأذان نفسه وزنًا جديدًا.
قالت صفية وهي تنظر إليها:
— فاطمة.
فالتفت إليها سعيد وقال:
— نعم… فاطمة.
وهكذا استقر الاسم.
وكان له رنينٌ خاص في البيت؛
اسمُ رحمة،
واسمُ بنوّةٍ جديدة للأرض الجديدة،
واسمُ بنتٍ جاءت بعد طول الأسفار لتقول للأسرة:
الرحلة صارت نسبًا.