وفي الجهة الأخرى كان عمر بن عبدالله يشتد.
لكن قبل هذا التحديد الزمني، كان البناء يبدأ بهدوء.
لم يكن عبدالله ينظر إلى ابنه عمر على أنه الوريث الطبيعي الذي يكفيه اسم أبيه،
ولا كان يريده أن يكبر في بيت الحكم كسائر أبناء السلاطين الذين يختلط عليهم الخدم بالرجال، والأمر بالتجربة، والاسم بالاستحقاق.
بل كان يدفعه، منذ بواكير شبابه، إلى الأرض نفسها التي مشت عليها الأقدام الكبيرة قبله:
الثغر،
والفرس،
والانتظار،
وصحبة الرجال الذين لا يكبرون الصبي لأن أباه حاكم، بل لأن فيه شيئًا يستحق.
وكان عمر مختلفًا عن أسد الإسلام، كما ينبغي لكل سلسلة صادقة لا تكرر نسخها.
فيه صلابة أبيه،
لكن مع قدرٍ من التأمل الهادئ،
وفيه حذر يجعله يقرأ المواقف بعمق قبل أن يتحرك.
وكان عبدالله يعرف هذا، لذلك لم يربّه على المنافسة مع أسد الإسلام، بل على التكامل معه.
قال له مرةً وهو يعيده من الثغر بعد يومٍ طويل:
— لا أريدك أن تنظر إلى أسد الإسلام كخصم.
فقال عمر:
— لا أفعل.
فقال:
— أريدك أن تعرف لماذا لا ينبغي أن تفعل.
فسكت الفتى.
فأكمل عبدالله:
— لأن البيت إذا انقسم بعد هذه الدماء إلى فرعين متخاصمين، خُنَّا كل من مات قبلنا.
وكانت هذه الجملة، على ثقلها، هي الخيط الذي حفظ السلسلة بعد ذلك كله.
ولهذا، حين قرّب عبدالله أسد الإسلام، كان في الجهة الأخرى يقرب عمرًا أيضًا، لكن لا على صورة التحدي المتبادل، بل على صورة المدرسة الواحدة التي تحتاج ضلعين:
عقلٌ يتأمل، وقوةٌ تمسك.