باب من الرواية

الباب الخامس: أول سنة… كيف تُمسك الدولة من رقبتها حتى لا تختنق

الفصل التاسع والثلاثون — عبدالله بعد التفجير

كانت السنة الأولى بعد التفجير هي الأصعب بلا منازع.

ليس لأنها شهدت أخطر المعارك فقط، بل لأنها شهدت أخطر شيءٍ من نوع آخر:

هل تستطيع الدولة أن تستمر؟

وهذا سؤال أوجع من كثير من الحروب.

كان على عبدالله أن يمسك كل شيءٍ دفعةً واحدة:

الثغور حتى لا يطمع العدو،

والدواوين حتى لا تعبث بها الأيدي،

والأوقاف حتى لا يضيع فيها ما زرعته صفية،

والبيت حتى لا يتحول حزنه إلى انقسام،

والناس حتى لا يظنوا أن التفجير كسر روح البلاد،

والجيل الجديد حتى لا ينشأ على أن المأساة قدرٌ يسلب الإرادة.

لم يكن ينام إلا قليلًا.

يدخل مجلس الرجال،

ثم يخرج إلى ملفات الوقف،

ثم يراجع أخبار القرى،

ثم يقرأ ما يأتيه من مكة والمدينة،

ثم يختلي دقائق معدودات فقط، لا ليستريح، بل ليلملم قلبه كي لا يتشقق أمام الناس.

وفي إحدى الليالي، دخلت عليه أمامة بعد أن طال به السهر، فرأت أمامه خرائط، وسجلات، ورسائل، ووجهًا يكاد يتهشم من التعب.

فقالت:

— لا يمكنك أن تحمل البلاد كلها بيدين مذعورتين.

فنظر إليها، وكان يعرف أنها لا تقول هذا لتثنيه عن الواجب، بل لتذكّره أن الواجب نفسه يحتاج نفسًا لا تنهار.

فقال:

— إن تركتُ شيئًا اليوم، دخل منه الفساد غدًا.

فقالت:

— وإن انكسرتَ الليلة، دخل منه الفساد من كل باب.

وسكت.

ثم أخذ نفسًا طويلًا، وأبعد بعض الأوراق، وقال:

— اجلسي.

فجلست.

ولم تتكلم كثيرًا بعد ذلك.

وكان هذا هو الذي تحتاجه أرواح الرجال في مثل هذا المقام:

أن تجلس بجانبهم امرأةٌ تفهم أن السكون أحيانًا خدمة.

وفي تلك السنة، ابتدأ عبدالله عهده لا كمن يملك رفاهية الرؤية الطويلة، بل كمن يثبت أركان البيت واحدًا واحدًا قبل أن يفكر في الزينة أو الزيادة.

وكان هذا هو عين الحكمة.

لأن الدول إذا أصابها التفجير من القلب ثم حاولت أن تستأنف مجدها بالصوت، سقطت.

أما إذا بدأت بربط الجرح، ثبتت.