باب من الرواية

الباب الثالث: الجنازة التي دفنت مرحلة

الفصل التاسع والثلاثون — عبدالله بعد التفجير

لم يشيّعوا ثلاثة أجساد فقط.

شيّعوا طورًا كاملًا من التاريخ.

مضى سعيد،

فدفنوا معه الرجل الذي حمل البذرة من بخارستان إلى البوسنة، ومن البيت الصغير إلى الدولة، ومن الرحمة الخاصة إلى معنى الأمة.

ومضت صفية،

فدفنوا معها القلب الذي جعل الداخل دولةً، والجرح الذي تحوّل إلى بصيرة، والمرأة التي رتبت الأوقاف والقرى والنساء والأيتام والبنات حتى صار العدل عند الناس شيئًا محسوسًا لا شعارًا.

ومضى عبدالملك،

فدفنوا معه الفتى الذي صار عهدًا، والملك الذي خرج من رحم الجبر إلى الفتح، ثم غسل الفتح بدم بيته فلم يغترّ.

وكان الناس في الجنازة لا يبكون بالطريقة نفسها.

بعضهم يبكي الدولة،

وبعضهم يبكي البيت،

وبعضهم يبكي نفسه؛ لأنه أحس أن صورة العالم التي تعوّدها قد زالت.

أما عبدالله، فكان واقفًا عند المشهد كله كمن يحمل قبورًا على كتفيه لا نعوشًا فقط.

كان يرى في القبور الثلاثة أشياء أكثر من الأسماء:

يرى طفولته،

والجبال،

والساحات،

وصوت صفية عند الليل،

ويد سعيد على كتفه في أول حمل السيف،

وصمت عبدالملك الطويل قبل القرارات،

ويرى أيضًا ما لا يستطيع أن يدفنه معهم:

الأمانة.

قال في سرّه، لا لسانًا:

— إن دفنتهم ودفنتُ معهم الدولة، خنتهم.

وكان هذا هو اليوم الذي بدأ فيه يتشكل حكمه الحقيقي.