في بعض المصائب، يُعطى الإنسان وقتًا ليبكي أولًا ثم يُسأل بعد ذلك: ماذا ستفعل؟
أما عبدالله، فلم يُعطَ هذا الترف.
ما إن انقضى هدير التفجير، وسقطت الأسماء الثلاثة دفعةً واحدة من سماء البيت، حتى وجد نفسه واقفًا على الحد الفاصل بين عالمين:
عالم الأخ الذي مات أخوه وأبوه وأمّه الروحية في لحظة واحدة،
وعالم الرجل الذي لا يجوز للدولة أن تنتظر حتى يفرغ من بكائه.
دخل المجلس الأول بعد الفجيعة ووجهه ليس وجهَ من تجمّد من قلة الحب، بل وجهَ من احترق من كثرته ثم أُجبر أن يغطي الجمر بكفّيه حتى لا تشتعل البلاد.
كانت عيون الرجال تنظر إليه لا كأخٍ مفجوع فقط، بل كآخر عمودٍ ظاهر بقي واقفًا.
وكان هذا في نفسه أشدّ من الخبر.
فالخبر أخذ منه أحبابه.
أما العيون فأخذت منه حقّه في أن ينهار.
وقف.
نظر في الوجوه.
ورأى فيها الذعر، والفراغ، ورغبةً خفية عند بعض الضعفاء أن يسألوه: هل انتهينا؟
فعرف أن أول كلمةٍ منه في هذه الساعة لا ينبغي أن تكون عزاءً ولا خطابًا، بل تثبيتًا.
قال:
— لا أريد فوضى.
ثم سكت لحظة، كأن الكلمات نفسها تحتاج أن تمرّ عبر الدم قبل أن تخرج، وأردف:
— احفظوا الأبواب، أَمِّنوا الدواوين، لا تدعوا الخبر يسبقنا إلى الثغور على هيئة انهيار، وأرسلوا إلى مكة والمدينة قبل أن يصل إليهما الوجع مشوّهًا.
كان صوته في تلك الساعة غريبًا حتى عليه.
فيه شيءٌ من عبدالملك،
وشيءٌ من صرامة سعيد،
وشيءٌ آخر لم يكن قد خرج فيه كاملًا من قبل:
حاكمٌ يولد من قلب الانفجار نفسه.