“لم تسقط السيارة بعد. ولم ينفجر الدم في الطريق بعد.”
وهذا وحده يكفي ليفتح في الرواية صورة الكارثة كاملة: لم يكن موتهم سقوطًا في ساحة حرب، بل انفجارًا في طريقٍ، وضربةً فُخِّخت لها وسيلة الحركة نفسها، كأن الخصوم أرادوا أن يجعلوا ما يحملهم إلى الدولة يحملهم إلى الشهادة في اللحظة ذاتها.
ركب عبدالملك،
وركب سعيد،
وكانت صفية معهم.
ومن حولهم رجالٌ يرون المشهد مألوفًا بما يكفي لأن يطمئنوا، وغيرُ مألوفٍ بما يكفي لأن لا يلتفتوا إلى الخطر المختبئ في التفاصيل.
كان الطريق أمامهم عاديًا، والغبار يتصاعد في المستوى المألوف، والأصوات حولهم غير مذعورة، والناس على أطراف الشأن لا يظنون أن في السيارة الآن قلب مرحلةٍ كاملة من التاريخ.
وكان في داخل السيارة ما هو أعمق من انتقال الأجساد.
كان فيها —في الحقيقة— اجتماع السلسلة كلها:
المؤسس الذي لم يرض أن يصير ذكرى حيةً فقط،
والمرأة التي رتبت الداخل حتى صار أمةً في أمة،
والملك الفاتح الذي جمع بين الحزم والرحمة والميدان والوقف.
اجتمع الثلاثة كما لو أن القدر أراد أن يأخذ العنوان الكامل للمرحلة في ضربة واحدة.
وقد يكون سعيد تكلم بكلمة،
وقد تكون صفية نظرت إلى عبدالملك أو إلى الطريق،
وقد يكون عبدالملك كان في قلبه شأنُ البلاد أكثر من شأن نفسه،
لكن التاريخ لا يسعفنا بكل الكلمات الأخيرة دائمًا.
إنه يترك لنا أحيانًا صورة الاجتماع فقط، ويكفي.