باب من الرواية

الباب الخامس: أحمد في الحرم المكي… الإمام الذي أحبه الناس لأنه هو

الفصل الرابع والثلاثون — أحمد إلى الحرم

ولم يكن حبه في مكة حبَّ الأسماء اللامعة دائمًا، ولا حبَّ البيوت الملكية إذا دخلت على المواضع الدينية، بل حبًا من نوعٍ آخر.

حبُّ الناس للرجل إذا سمعوا القرآن في صوته فعرفوا أن قراءته خرجت من قلبٍ عركه الصبر لا من حنجرةٍ حُسِّنَت.

وكان إذا وقف في المحراب لم يُكثر الالتفات إلى مقامه، ولا إلى العيون التي تنظر إليه، بل يقرأ كأن بينه وبين الآيات طريقًا خاصًا لا يريد أن يقطعه إعجاب الناس.

وكانت مكة يومئذٍ ترى فيه شيئًا من الهدوء البوسني الذي دخلها على هيئة إمام.

لا غلظة أبناء السيوف،

ولا تكلف أبناء القصور،

بل خشوع رجلٍ خرج من بيتٍ عرف الملك والدم والوقف والنساء والجبال والموت، ثم وقف الآن أمام الكعبة كعبدٍ من عباد الله.

تحدث الناس عنه في المجالس الصغيرة أكثر مما تحدثوا عنه في الدواوين الرسمية.

والحبُّ الذي يولد في المجالس الصغيرة أبقى كثيرًا من الحب الذي تكتبه الأوراق.

قال شيخٌ من أهل مكة مرةً:

— هذا الغلام إذا قرأ، سكتت في القلب الأشياء التي لا تسكتها الحروف وحدها.

وقال آخر:

— فيه شيء من بيوت الصالحين القدامى، مع أنه خرج من بيت مُلك.

وكانت هذه الجملة الأخيرة أصدق ما قيل فيه:

وكانت آية إلى جواره في مكة تؤدي وظيفتها كما ينبغي:

تحفظ البيت،

وتمنع الشهرة من أن تدخل إليه دخانًا،

وتفهم أن الرجل إذا وقف في موضعٍ عظيم، احتاج إلى زوجةٍ لا تجعله يشعر أن مقامه يعفيه من أن يبقى بشرًا.

وكانت كلما رأت الناس يكثرون في مدح أحمد، زاد حرصها على أن يبقى مجلس البيت بسيطًا، وطعامه غير متكلّف، وحديثه غير مشبع بالثناء.

وكان هذا من أعظم حفظها له.