ما إن اشتد الضعف بفاطمة أم سعيد قليلًا، حتى انقلب قلب صفية كله نحوها.
لم تعد تنظر إليها بوصفها امرأةً كبيرة في البيت تحتاج إلى خدمة وحسب، بل بوصفها ركنًا من تاريخها الشخصي كله.
وكانت في الأيام التي تسبق الرحيل تتكرر على روحها مشاهدٌ قديمة:
يوم دخلت بيت سعيد أول مرة وهي تحمل بقايا زواجٍ منكسر وروحًا يابسة،
ويوم وجدت في فاطمة وجهًا لا يحاكمها،
وليلة حملها الأول،
وليالي بخارستان،
وخوف الولادات،
وبداية البوسنة،
ومجالس الداخل التي كانت فاطمة فيها تسندها من غير أن تأخذ مقعدًا في الصورة.
فشعرت صفية أن خدمة هذه المرأة في آخر أيامها ليست فضلًا من جديد، بل ردُّ شيءٍ من دينٍ قديم لا يُقضى كله.
كانت تجلس عندها طويلًا، تضبط لها غطاءها، وتعد لها الشراب، وتخفف عنها ما يمكن من الوجع، وتقرأ عندها شيئًا من القرآن، وتدع النساء يخرجن إذا شعرت أن فاطمة تريد أن تخلو بها.
وفي إحدى تلك الخلوات، قالت فاطمة لها:
— ما كنت أظن يوم رأيتك أول مرة أنك ستصيرين إلى هذا الموضع كله.
فقالت صفية، وعيناها فيهما بللٌ لا يكاد يخفى:
— وأنا ما كنت أظن أن الله سيعطيني أمًّا ثانية.
فابتسمت فاطمة، ثم قالت:
— أنا لم أكن أمًّا ثانية لكِ فقط… كنتِ أيضًا بعض جواب الله لي في ابني.
فسألتها صفية:
— كيف؟
قالت:
— كنت أخاف عليه من أن يضيع في سعة ما فُتح له إن لم يجد المرأة التي ترده إلى المعنى كلما مال إلى الصورة. فلما جئتِ، اطمأن قلبي.
وهنا لم تستطع صفية أن تحبس دمعتها.
أخذت يد فاطمة وقبّلتها، وقالت:
— وما كنتُ لأكون ما أنا عليه لولا أنكِ فتحتِ لي من بيتكِ وقلبكِ ما لم أجده في حياتي كلها.
وكان الحوار قصيرًا، لكنه كان كافيًا ليجمع عمرًا كاملًا بين امرأتين عرفتا كيف تصنعان بيتًا أكبر من كثير من الدول.