باب من الرواية

الباب السادس: تدريبه على الجبال والسيف والقرار

الفصل الثامن والعشرون — السنة الثالثة من حكم صفية

ولأنك شددتَ في خط الرواية على أن سعيد وتقي الدين ربّيا الأبناء على الفروسية، وأفردا لذلك بابًا مستقلًا في السرد، فإن السنة الثالثة كانت من أوضح السنوات التي ظهر فيها أثر هذا المنهج على عبدالملك ومن دونه من إخوته.

لم تعد رحلات الجبال عنده مجرد خروجٍ لتقوية الجسد أو تعويدٍ على المشقة، بل صارت مجالس تربية حقيقية.

كان سعيد يصطحبه أحيانًا مع أحمد أو محمد، ويترك الآخرين لأعمارهم، ثم يختار موضعًا في الجبل أو طرفًا من السهل، ويقول:

— اليوم لا نركب فقط. اليوم نفهم.

فيتعجب أحمد أحيانًا، ويصمت عبدالملك، لأن طبعه كان إلى الإصغاء أقرب.

قال له مرةً وهما على ربوةٍ عالية:

— الناس يظنون أن الفارس هو من يثبت على ظهر الفرس فقط. وهذا نصف المعنى.

فقال عبدالملك:

— وما النصف الآخر؟

قال:

— أن يثبت قلبه إذا اضطرب من حوله كل شيء.

ثم أشار إلى السهل وقال:

— من هنا ترى الأرض كلها أصغر. فإذا تعلمت أن تنظر من فوق، لم تُغرقك التفاصيل الصغيرة حين تنزل إليها.

وكان تقي الدين، إذا خرج معهم أحيانًا، يزيد الأمر عمقًا من جهة أخرى.

يقول لهم:

— السيف لا يصلح في يد فتى يحب أن يراه الناس شجاعًا. يصلح في يد من يكره أن يُضطر إلى استعماله، لكنه لا يهرب إذا وجب.

ويقول:

— والفروسية بلا قرآن تخرج قسوةً، والقرآن بلا قوة قد يُؤكل أهله إن ناموا عن إعدادهم.

وفي إحدى تلك الخرجات، أخطأ أحد الفتيان الصغار في تقدير خطوةٍ على فرسٍ ناشئ، فكاد يقع لولا أن تداركه عبدالملك بسرعةٍ وحضور ذهن.

فلما هدأ الأمر، نظر إليه سعيد وقال:

— لم أرك تركض إليه من فزعٍ فقط، بل من قرار.

فقال عبدالملك:

— لأنه كان سيسقط.

فقال سعيد:

— نعم، لكن بعض الناس يعرفون الخطر ولا يتحركون بالسرعة نفسها.

ثم سكت لحظة وأضاف:

— القرار في لحظته لا يُكتسب يوم الأزمة. يُربّى قبلها بسنوات.

وهنا فهم الفتى أن التدريب ليس على السيف أو الفرس فقط، بل على الزمن الداخلي للروح.