باب من الرواية

الباب الثالث: المواجهة تشتد… فلول الحكم القديم تختبر صلابة الداخل

الفصل الثامن والعشرون — السنة الثالثة من حكم صفية

وهنا دخلت البلاد طورًا آخر.

لم تعد البوسنة أمام خصومها بيتًا صغيرًا يمكن أن يُترك حتى يذبل من تلقائه، بل صارت نواةً جدية، لها رجال، ونساء، ومساجد، ووقف، وسمعة، وأبناء يكبرون على معنى، وقرى بدأت تلتف حولها من الداخل.

وهذا هو ما أقلق بقايا النفوذ القديم:

أنهم لم يعودوا يواجهون رجلًا فقط،

بل يواجهون نسيجًا.

بدأ التضييق أولًا في صورة رقابةٍ على بعض الموارد، ومحاولاتٍ لقطع بعض الخيوط التجارية أو الزراعية التي تغذي الاستقلال الداخلي.

ثم انتقل إلى مستوى آخر:

ترهيب بعض رجال القرى،

ومحاولة شراء بعض الوجوه الضعيفة،

وتحريك شائعاتٍ عن “اتساع نفوذ الداخل” و”خطر النساء في المحيط القريب من الحكم” و”تجاوز الوقف حدّه” و”تحول الرحمة إلى سلطةٍ موازية”.

وكانت صفية تسمع هذه الأخبار، ولا ترتبك منها ارتباك الجاهلين بالمعارك الخفية.

فهي نفسها عاشت في طفولتها وصباها وجوه الشر حين لا يأتيك سيفًا مرفوعًا، بل كلمةً، أو فخًا، أو يدًا تمتد من الزاوية.

ولهذا قالت لسعيد حين أخبرها ببعض ما وصله:

— الآن فقط يبدأ صدق البناء في الظهور.

فقال:

— لأنهم ضغطوا؟

قالت:

— لأن الضغط يكشف إن كنا بيتًا قائمًا على جدار واحد، أم نسيجًا يقوم بعضه ببعض.

وفي إحدى النواحي، أُغلق بابٌ من أبواب التجارة التي كانت تغذي طرفًا من أطراف الوقف.

فما كان من النساء في الشبكة إلا أن تحركن إلى بابٍ آخر من أبواب الغلة، وتحرك الرجال إلى مخرج بديل، وتحمل المسجد جزءًا من الثقل، وقامت بعض البيوت بما تستطيع، حتى لم يتحول الإغلاق إلى شلل.

وعندها فهم الخصوم شيئًا أخافهم أكثر:

أن هذه الدولة الناشئة لم تعد تعتمد على مركزٍ واحدٍ إذا كُسر انهار كل شيء.