باب من الرواية

الباب الثاني: الوقف يبلغ صورته الأوسع

الفصل الثامن والعشرون — السنة الثالثة من حكم صفية

مالًا يتحرك إلى مواضعه من غير أن يحتاج كل مرةٍ إلى استغاثة،

وخبزًا يصل قبل أن يصرخ الجوع،

ودرسًا يستمر قبل أن ينقطع الطالب،

وبيتًا يُرمم قبل أن ينهار على من فيه،

وعلاجًا يُعطى قبل أن يستحكم المرض.

ولم يكن الاتساع سهلاً.

فكلما اتسع الخير، اتسعت معه مواضع الخلل المحتملة:

كاتبٌ يختصر من حيث لا يجوز الاختصار،

أمينُ مخزنٍ يرى أن الدرهم الصغير لا يُحصى،

رجلُ قريةٍ يظن أن بعده عن العاصمة يبيح له أن يمد يده إلى ما ليس له،

أو امرأةٌ تتوسل بدموع الصغار لتأخذ فوق ما يحق لها ثم تحرم غيرها.

ولهذا، شددت صفية على أمرين معًا:

أن يبقى القلب حاضرًا،

وأن يبقى الحساب صارمًا.

قالت في مجلسٍ جمع بعض كتبة الوقف وبعض النساء القائمات على أبوابه:

— لا أريد أن يخرج الناس من عندنا بشعورين سيئين: شعور الفقير بأنه رقم، وشعور الأمين بأنه غير مُحاسَب.

ثم أردفت:

— الرحمة بلا ضبط تُستنزف، والضبط بلا رحمة يُقسي.

وكان هذا هو خلاصة سياستها كلها.

فلا هي من أصحاب الفوضى التي تُلبس نفسها ثوب الإحسان،

ولا هي من أهل الإدارة اليابسة التي تنسى أن وراء السجلات أرواحًا.

وفي إحدى القضايا، جاءها خبر عن موضع وقفٍ في قرية نائية، تُكتب غلته كاملة في الدفتر، لكن ما يصل إلى الناس أقل.

لم تصنع فضيحةً من أول وهلة، ولم تعتمد على الظن.

بعثت من يتحقق، ثم استدعت الرجل المسؤول في مجلسٍ محدود، وجاءت بالدفاتر، وبشهادة اثنين من أهل القرية، ثم قالت له بهدوءٍ مرعب:

— الفرق بين ما كُتب وما وصل ليس سهوًا.

فارتبك الرجل، وحاول التعلل بالنقل والضياع والطريق.

فنظرت إليه وقالت:

— لو كنتَ تسرق من مالي لهان الأمر. لكنك مددت يدك إلى خبز أرملة، ودفتر يتيم، ودواء مريض.

فسقطت حججه في لحظة.

ولم يكن الحزم هنا انتقامًا، بل تطهيرًا.

فالخير إذا تُركت فيه ثقوب صغيرة، صار أول من يأكله هو الطمع.