باب من الرواية

الباب الثالث: المدارس الصغيرة… حيث فهمت صفية أن العلم إذا انقطع من الأطراف فسدت العاصمة

الفصل السابع والعشرون — السنة الثانية من حكم صفية

لم تكن صفية ترى المدارس زينةً من زينات المدن الكبرى فقط، بل كانت ترى أن خراب الأطراف يبدأ حين يشعر أهل القرى أن العلم شيءٌ يخص العاصمة، أو يخص أبناء الميسورين، أو يخص الذكور وحدهم.

ولهذا، حين بدأت ترتب الأوقاف على وجوهها، وضعت للتعليم بابًا خاصًا لا يُترك للصدف.

في إحدى الجولات، جاءت امرأةٌ من قريةٍ بعيدة ومعها ولدان وبنت.

كان الولدان يذهبان أحيانًا إلى حلقةٍ قريبة، أما البنت فقد انقطعت، لا لضعفٍ فيها، بل لأن البيت لا يملك ما يعينها، ولأن الطريق طويل، ولأن أمها بدأت تسمع من بعض الجاهلات ما يكفي ليجعلها تتردد:

“البنات لا يحتجن كل هذا.”

“العلم الكثير يفسدهن.”

“يكفيها ما تعرف به صلاتها ومطبخها.”

ولما سمعت صفية ذلك من الأم، شعرت بوخزةٍ قديمة صعدت من طفولتها نفسها.

تذكرت القرية الأولى، والجوع إلى الباب المفتوح، وكيف كانت المدرسة نافذتها إلى اتساعٍ لم تعرفه في بيتها.

فقالت للأم:

— ومن قال لكِ إن مطبخ البنت يستغني عن عقلها؟

ثم أضافت:

— إذا ضاق العلم على البنات، ضاق الجيل كله فيما بعد.

مجالس لفتيات القرى بإشراف نساء صالحات أو معلمات مأمونات،

وأدواتٌ تُشترى من الوقف،

وأسماءٌ تُكتب،

ومتابعةٌ لا تترك الأمر لحماسة البداية ثم الفتور.

قال لها تقي الدين مرةً:

— ما بالكِ تقدّمين هذا الباب على غيره في بعض المواضع؟

فقالت:

— لأن من تُترك جاهلة اليوم، قد تكون بعد عشر سنين أمًّا تربي جيلًا كاملًا على ضيقٍ ورعب وخرافة.

فسكت الرجل، ثم قال:

— أنتِ ترين المدى أبعد من كثير من الرجال.

فقالت:

— لأني عشتُ ضيق البيوت من الداخل. من يعيش الجرح، يرى مواضع النزيف أسرع.

وهكذا بدأت السنة الثانية تشهد شيئًا جديدًا:

أن الوقف لم يعد يُطعم البطون وحدها، بل بدأ يُطعم العقول أيضًا.